العرب : إنّ له لإبلا ، وإن له لغنما ، يقصدون الكثرة ، وفي خطاب السحرة بذلك لفرعون دليل على استطالتهم عليه باحتياجه إليهم ، وبما يحصل للعالم بالشيء من الترفع على من يحتاج إليه ، وعلى من لا يعلم مثل علمه
قالَ
فرعون مجيبا لهم إلى ما طلبوا
نَعَمْ
. قرأ الكسائي « 1 » بكسر العين ؛ أي : إنّ لكم لأجرا عظيما على ما تقومون به من ذلك العمل الجليل
وَإِنَّكُمْ
مع ذلك الأجر
لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
إلينا ، فتجمعون بين المال والجاه ، وذلك منتهى ما تطمعون فيه من نعيم الدنيا وسعادتها ، والمعنى « 2 » : إنّ فرعون قال للسحرة : إنّي لا اقتصر معكم على الأجر ، بل أزيدكم عليه ، وتلك الزيادة أني أجعلكم من المقربين إلي بالمنزلة ، قال الكلبي : تكونون أول من يدخل علي ، وآخر من يخرج من عندي .
وفي « 3 » مبادرة فرعون لهم بالوعد والتقريب منه ، دليل على شدة اضطراره لهم ، وأنّهم كانوا عالمين بأنّه عاجز ، ولذلك احتاج إلى السحرة في دفع موسى عليه السلام .
قالُوا
؛ أي : قالت السحرة لموسى بعد وعد فرعون لهم :
يا مُوسى
اختر
إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ
ما عندك أولا
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
؛ أي : وإما أن نلقي نحن ما عندنا أولا ، وفي هذا التخير منهم له دليل على اعتدادهم بسحرهم ، وثقتهم بأنفسهم ، وعدم المبالاة بعمله ، ولولا ذلك لما خيروه ، إذ المتأخر في العمل يكون أبصر بما تقتضيه الحال بعد وقوفه على منتهى جهد خصمه .
قالَ
لهم موسى عليه السلام - وهو واثق بشأنه ، محتقر لهم غير مبال بهم -
أَلْقُوا
ما أنتم ملقون ، وهو عليه السلام لم يأمرهم بفعل السحر ابتداء ؛ وإنّما أمرهم بأن يتقدموه فيما جاءوا به لأجله ، ولا بد لهم منه ، وأراد بذلك التوصل إلى إظهار بطلان السحر لا إثباته ، وإلى بناء ثبوت الحق على بطلانه ، ولم يكن هناك وسيلة للإبطال إلا ذلك ، وقد صرح فيما حكاه اللّه تعالى عنه :
قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ
هامش
( 1 ) المراح .
( 2 ) الخازن .
( 3 ) البحر المحيط .