تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
82 .
فَلَمَّا أَلْقَوْا
ما ألقوا من حبالهم وعصيهم
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ
؛ أي : قلبوها وغيروها عن صحة إدراكها بما جاءوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله المشعوذون وأهل الخفة ؛ أي : خيلوا إليهم ما لا حقيقة له ، كما قال تعالى :
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
.
وَاسْتَرْهَبُوهُمْ
؛ أي : استرهبوا الناس وأفزعوهم وأوقعوا في قلبهم الرهب والخوف ، وأرهبوهم إرهابا شديدا ، حيث خيلوها حيات تسعى
وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
في مظهره ، كبير في تأثيره في أعين الناس ، يخافه كل من رآه ، قال ابن كثير : أي : خيلوا إلى الأبصار أنّ ما فعلوه له حقيقة في الخارج ، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ألقوا حبالا غلاظا ، وخشبا طوالا ، فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ، وهذا هو السحر الذي هو محض تخييل في عين الرائي ، والشيء المسحور حقيقته على ما هي عليه لم تقلب ، وأما المعجزة ففيها قلب حقيقة الشيء - كالعصا - حيث صارت حية ، هذا هو الفارق بين السحر والمعجزة اه . « خازن » . قال ابن إسحاق « 1 » : صف خمسة عشر ألف ساحر ، مع كل ساحر حباله وعصيه ، وفرعون في مجلسه مع أشراف مملكته ، فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ، ثم أبصار الناس بعد ، ثم ألقى رجل منهم ما في يده من العصيّ والحبال ، فإذا هي حيات كأمثال الجبال - قد ملأت الوادي - يركب بعضها بعضا ، وكانت سعة الأرض ميلا في ميل ، فصارت كلها حيات ، قيل « 2 » : إنّهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق ، وجعلوا الزئبق في دواخل تلك العصي ، فلما أثّر تسخين الشمس فيها . . تحركت والتوى بعضها على بعض ، وكانت كثيرة جدا ، فالناس تخيلوا أنها تتحرك وتلتوي باختيارها وقدرتها
اسْتَرْهَبُوهُمْ
؛ أي : بالغوا في تخويف عظيم للعوام من حركات تلك الحيات والعصي ، وخاف موسى أن يتفرقوا قبل ظهور معجزته ، فكان خوفه لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوه من أمر تلك الحيات ، وليس خوفه لأجل سحرهم ؛
هامش
( 1 ) الطبري . ( 2 ) المراح .