تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
من جهة إلى أخرى ، تتقدم بتقدم العلم والاختراع من طيارات وسيارات ، وقطر برية ، وبواخر وسفن بحرية ، وسبل متعددة لمداواة المرضى بالعقاقير المختلفة على يد نطس الأطباء إلى نحو ذلك ، وكل ذلك يقتضي منكم الشكر الكثير ، ولكن الشكر من العباد قليل كما قال :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
ومن ثم عقب هذا بقوله :
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
؛ أي : وأنتم قليلو الشكر على هذه النعم التي أنعمت بها عليكم لا كثيروه كثرة تناسب كثرة الانتفاع بها ، فقد عبدتم سواي واتخذتم الأولياء والشفعاء من دوني . وشكر النعمة يكون بمعرفة المنعم بها ، ثم حمده والثناء عليه بما هو له أهل ، ثم التصرف فيها بما يحبه ويرضاه وتحقيق الأغراض التي أسداها لأجلها ، فهذه النعم المعيشة ما خلقت إلا لحفظ الحياة الروحية التي بها تزكو النفس ، وتستعد للحياة الأخرى الأبدية التي فيها النعيم المقيم ، والسعادة المستقرة إلى غير نهاية .

وبالجملة :

فنعم اللّه على الإنسان كثيرة ، فلا إنسان إلا ويشكر اللّه تعالى في بعض الأوقات على نعمه ، وإنما التفاوت في أن بعضهم يكون كثير الشكر ، وبعضهم يكون قليل الشكر . وقوله :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ . . .
إلخ . تذكير « 1 » لنعمة عظيمة على آدم سارية إلى ذريته موجبة لشكرهم كافة ؛ أي : وعزتي وجلالي لقد خلقنا أباكم آدم ، وأوجدناه من العدم حين كان طينا غير مصور
ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
؛ أي : ثم بعد خلقه صورناه حين كان بشرا بتخطيطه وشق حواسه ، فالكلام على حذف مضاف كما قدرناه ، فالخطاب لبني آدم ، والمراد أبوهم ، فهو من باب الخطاب لشخص مرادا به غيره . وقيل : الخطاب لآدم ، فكأنه قال : ولقد خلقناك يا آدم ، ثم صورناك ، وإنما خاطبه بصيغة الجمع ، وهو واحد تعظيما له ، ولأنه أصل الجميع .

والمعنى :

ولقد خلقنا مادة هذا النوع الإنساني من الصلصال والحماء المسنون ؛ أي : من الماء والطين اللازب ، فمنه خلق الإنسان الأول ، ثم جعلنا
هامش
( 1 ) أبو السعود .
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 222 | محمد الأمين الأرمي العلوي / هاشم محمد علي بن حسين مهدي