تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
فرفضت أن تسجد لآدم مع الساجدين ؟ وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج . وقد تكون ( لا ) غير زائدة ، والمنع بمعنى الحمل والاضطرار ، وعليه فالمعنى : ما حملك واضطرك ودعاك إلى أن لا تسجد .

وخلاصة ذلك :

أي شيء عرض لك ، فحملك على أن لا تكون مع الملائكة في امتثال أمري ؟ وقال ابن « 1 » كثير : واختار ابن جرير أن
مَنَعَكَ
مضمن معنى فعل آخر تقديره : ما أحوجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك ، وهذا القول قوي حسن ، لأنه « 2 » لا يجوز أن يقال : إن كلمة من كتاب اللّه تعالى زائدة أو لا معنى لها .
قالَ
اللعين الخبيث مجيبا للمولى عما سأله عنه
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
؛ أي : إنما لم أسجد لآدم ؛ لأني أنا خير وأفضل من آدم وأشرف منه ، فكيف يسجد الفاضل ويعظم المفضول ولو أمره ربه ؟ وإنما « 3 » قال في الجواب : أنا خير منه ، ولم يقل منعني كذا ؛ لأنّ في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة ما يدل على المانع ، وهو اعتقاده أنه أفضل منه ، والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول مع ما تفيده هذه الجملة من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله ، ثم علل ما ادعاه من الخيرية بقوله :
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ
؛ أي : وإنما كنت خيرا منه ؛ لأنني خلقتني من نار نورانية ، فهي أغلب أجزائي
وَخَلَقْتَهُ
؛ أي : وخلقت آدم
مِنْ طِينٍ
ظلماني ، وهو أغلب أجزائه ، فالنار أفضل من الطين ؛ لأن النار مشرقة علوية لطيفة يابسة ، مجاورة لجواهر السماوات ، والطين مظلم سفلي كثيف بعيد عن مجاورة السماوات ، والمخلوق من الأفضل أفضل . وقد أخطأ إبليس اللعين طريق الصواب ، فإن عنصر الطين أفضل من عنصر النار من جهة رزانته وسكونه وطول بقائه ، والنار خفيفة مضطربة سريعة النفاد ، ومع هذا فهو موجود في الجنة دونها ، وهي عذاب دونه ، وهي محتاجة إليه لتتحيز فيه ، وهو مسجد وطهور ، وهو سبب للحياة من إنبات النبات ، وهي سبب لهلاك الأشياء ، وهو سبب جمع الأشياء ، وهي سبب تفريقها ، ولولا سبق شقاوته
هامش
( 1 ) ابن كثير . ( 2 ) الخازن . ( 3 ) الشوكاني .