تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
من تلك المادة صورة بشر سوي قابل للحياة ، وقد يكون المعنى : إنا قدرنا إيجادكم تقديرا ، ثم صورنا مادتكم تصويرا ، ذلك شامل لخلق آدم وخلق مجموع الناس إذ أن كل فرد يقدر اللّه خلقه ، ثم يصور المادة التي يخلقه منها في بطن أمه .
ثُمَّ
بعد إكمال خلقه وتصويره
قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
؛ أي : أمرنا الملائكة بالسجود لآدم تكريما له ولذريته سجود تحية وإكرام بالانحناء . فالمراد « 1 » به السجود اللغوي ، وهو الانحناء ، وقيل : إن السجود شرعي بوضع الجبهة على الأرض للّه ، وآدم قبلة كالكعبة
فَسَجَدُوا
؛ أي : سجد الملائكة بعد الأمر ؛ أي : سجد جميعهم لآدم ، وذلك قبل دخول الجنة
إِلَّا إِبْلِيسَ
أبا الجن كان مفردا مستورا بألوف من الملائكة متصفا بصفاتهم ، فغلّبوا عليه في قوله :
لِلْمَلائِكَةِ . . .
الخ ، وقيل : هو أبو الشياطين فرقة من الجن لم يؤمن منهم أحد ؛ أي : سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى وامتنع من السجود له تكبرا وعنادا ، فالاستثناء منقطع
لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
له ؛ أي : ممن سجدوا له . والمعنى : وبعد أن سويناه ونفخنا فيه من روحنا ، وصار مستعدا لأن يكون خليفة في الأرض ، وعلمناه الأسماء كلها . . قلنا لجماعة الملائكة :
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
؛ أي : سجد الملائكة جميعا إلا إبليس أبى واستكبر ، وهو من الجن لا منهم ، وهذا السجود سجود تكريم وتعظيم من اللّه لآدم ، لا سجود عبادة ، فقد قامت الدلائل القاطعة على أنه لا معبود إلا اللّه وحده .
قالَ
اللّه سبحانه وتعالى توبيخا للّعين
ما مَنَعَكَ
يا إبليس
أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
بالسجود لآدم مع الملائكة ؛ أي : أيّ شيء منعك من السجود لآدم حين أمرتك بالسجود له ؟ فعلى « 2 » هذا التأويل تكون ( لا ) زائدة في قوله :
أَلَّا تَسْجُدَ
كما في قوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ
؛ أي : أقسم زيدت لتأكيد معنى النفي في منعك بدليل قوله في سورة ص :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
بحذفها ، وهو الأصل ؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ، فيصير المعنى ؛ أي شيء منعك من امتثال أمري ،
هامش
( 1 ) الصاوي . ( 2 ) الخازن .