وصدق كلمة اللّه عليه . . لكان له بالملائكة المطيعين لهذا الأمر أسوة وقدوة ، فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري ، ومع ذلك سجدوا طاعة لربهم .
ولا شك « 1 » أن في جوابه هذا ضروبا من الجهالة ، وأنواعا من الفسوق والعصيان ، تتجلى وتتضح لك فيما يلي :
1 - اعتراضه على مولاه وخالقه بما تضمنه جوابه .
2 - احتجاجه عليه بما يؤيد به اعتراضه ، والمؤمن المذعن لأمر ربه يعلم أن للّه الحجة البالغة والحكمة الكاملة فيما يفعل ، ويأمر وينهى .
3 - أنه جعل امتثال الأمر موقوفا على استحسانه له ، وموافقته لهواه ، وهذا رفض لطاعة الخالق ، وترفع عن مرتبة العبودية ، والمرءوس في الدنيا إذا لم يطع أمر الرئيس إلا فيما يوافق هواه . . صار الأمر فوضى ، والعاقبة وخيمة . فلا يصح عمل ، ولا يتم الفوز والنجاح .
وقد روى أبو نعيم في « الحلية » عن جعفر الصادق أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :
« أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال اللّه تعالى له : اسجد لآدم . قال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين » . قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه قربه اللّه يوم القيامة بإبليس .
4 - استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين ، وخيرية المواد بعضها على بعض أمور اعتبارية تختلف فيها الآراء ، ولا تثبت بالبرهان إلى أن كثيرا من المواد النفسية خسيسة الأصل ، ألا ترى أن أصل المسك الدم ؛ وهو أطيب الطيب إلى أن الملائكة خلقوا من النور ، وهو قد خلق من النار ، والنور خير من النار ، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم .
5 - أن جميع الأحياء النباتية والحيوانية التي في هذه الأرض إما من الطين مباشرة ، أو بالواسطة ، وهي خير ما فيها ، وليس للنار شيء من هذه المزايا ولا ما يقرب منها .
هامش
( 1 ) المراغي .