تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وروى ابن مردويه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعله اللّه تعالى غاية لتوبة عباده فتستأذن الشمس من أين تطلع ، ويستأذن القمر من حيث يطلع ، فلا يؤذن لهما ، فيحسبان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر ، فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس ، وهم أهل الأوراد وحملة القرآن ، فينادي بعضهم بعضا ، فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة ، ثم يرسل اللّه جبرائيل إلى الشمس والقمر ، فيقول : إن الرب تعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما ، فتطلعا منه لا ضوء لكما عندنا ولا نور ، فتبكي الشمس وكذا القمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت ، فترجع الشمس والقمر ، فيطلعان من مغربهما ، فبينما الناس كذلك يتضرعون إلى اللّه عزّ وجل ، والغافلون في غفلاتهم إذ نادى مناد : ألا إن باب التوبة قد أغلق ، والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما ، فينظر الناس إليهما ، وإذا هما أسودان كالعكمين لا ضوء لهما ولا نور ، فذلك قوله تعالى :
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ( 9 )
. والعكم - بالكسر - الغرارة ؛ أي : كالغرارتين العظيمتين ، ومنه يقال لمن يشد الغرائر على الجمل : العكام ، فيرتفعان مثل البعيرين المقرنين ينازع كل منهما صاحبه استباقا ، ويتصايح أهل الدنيا ، وتذهل الأمهات عن أولادها ، وتضع كل ذات حمل حملها ؛ فأما الصالحون والأبرار فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ ، ويكتب لهم عبادة ، وأما الفاسقون والفجار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ، ويكتب عليهم حسرة ، فإذا بلغت الشمس والقمر وسط السماء جاءهما جبريل ، فأخذ بقرونهما ، فردهما إلى المغرب ، فيغربهما في باب التوبة ، ثم يرد المصراعين ، فيلتئم ما بينهما ويصيران كأنهما لم يكن صدع قط ولا خلل ، فإذا أغلق باب التوبة . . لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة ولم تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك يحب أن يفعله قبل ذلك ، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك ، فذلك قوله تعالى :
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها . . .
الآية . قال عمر بن الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم : وما باب التوبة يا رسول اللّه ؟ فقال : « يا عمر ، خلق اللّه بابا للتوبة جهة المغرب ، فهو من أبواب الجنة ، مصراعان من