إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ
؛ أي : إن الذين فرقوا وبددوا وشتتوا دينهم بأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض .
قال ابن عباس « 1 » : هم اليهود والنصارى فرقوا دين إبراهيم الحنيف إذ تفرقوا فرقا ، وكفر بعضهم بعضا ، وأخذوا بعضا وتركوا بعضا كما أخبر بذلك الكتاب الكريم بقوله :
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
.
وقال الحسن : هم جميع المشركين ؛ لأن بعضهم عبدوا الأصنام وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ، وبعضهم عبدوا الملائكة وقالوا : إنهم بنات اللّه ، وبعضهم عبدوا الكواكب ، فكان هذا تفريق دينهم اه .
وقال أبو هريرة في هذه الآية : هم أهل الضلالة من هذه الأمة ، وروي ذلك مرفوعا قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : «
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
، وليسوا منك ؛ هم أهل البدع ، وأهل الشبهات ، وأهل الضلالة من هذه الأمة » أسنده الطبري .
ولا مانع من الجمع بين الآراء « 2 » ، فإنه تعالى ذكر أهل الكتاب وشرعهم ، وأمر من استجاب لدعوة الإسلام بالوحدة وعدم التفرق كما تفرق من قبلهم ، كما جاء في سورة آل عمران :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 )
ثم بين أن رسوله بريء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، كما فعل أهل الكتاب ، فهو يحذر من صنيعهم ، وينهى عن سلوك طريقهم ، فمن اتبع سنتهم في هذا التفريق . . فالرسول بريء منه كما هو بريء من أولئك المفرقين من سالفي الأمم ، فعلى « 3 » هذا يكون المراد من هذه الآية :
الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة ، وأن لا يتفرقوا في الدين ، ولا يبتدعوا البدع المضلة . وفي حديث رواه أبو داود والترمذي : « وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة » .
هامش
( 1 ) ابن كثير .
( 2 ) المراغي .
( 3 ) الفتوحات .