تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
صنيعه ، وعدم تأثره ، وإن فعله فعل الجاهل بالشّرع ، أو الأحمق الخالي عن العقل . والمراد « 1 » بها : حثّ الواعظ على تزكية النفس ، والإقبال عليها بالتكميل ؛ لتقوم بالحق ، وتقيم غيرها ، لا منع الفاسق من الوعظ ، فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما ، لا يوجب الإخلال بالآخر . ويروى أنه كان عالم من العلماء ، مؤثّر الكلام ، قويّ التصرف في القلوب ، وكان كثيرا ما يموت من أهل مجلسه واحد ، أو اثنان من شدة تأثير وعظه . وكان في بلده عجوز لها ولد صالح ، رقيق القلب ، سريع الانفعال ، وكانت تحترز عليه ، وتمنعه من حضور مجلس الواعظ ، فحضره يوما على حين غفلة منها ، فوقع من أمر اللّه تعالى ما وقع ، ثمّ إن العجوز لقيت الواعظ يوما في الطريق فقالت :
أتهدي الأنام ولا تهتدي * ألا إن ذلك لا ينفع
فيا حجر السّنّ حتى متى * تسنّ الحديد ولا تقطع
وأشدّ « 2 » ما قرّع اللّه سبحانه في هذا الموضع ، من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم ، فاستنكر عليهم أوّلا أمرهم للناس بالبرّ ، مع نسيان أنفسهم في ذلك الأمر الذي قاموا به في المجامع ، ونادوا به في المجالس ؛ إيهاما للناس بأنهم مبلغون عن اللّه ما يتحمّلونه من حججه ، ومبيّنون لعباده ما أمرهم ببيانه ، وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم عليه ، وهم أترك الناس لذلك ، وأبعدهم من نفعه ، وأزهدهم فيه . وهذا الخطاب « 3 » وإن كان موجها إلى اليهود ، فهو عبرة لغيرهم ، فلتنظر كل أمة أفرادا وجماعات في أحوالها ، ثم لتحذر أن يكون حالها كحال أولئك القوم ، فيكون حكمها عند اللّه حكمهم ، فالجزاء إنما هو على أعمال القلوب والجوارح ، لا على صنف خاص من الشعوب والأفراد . وبعد أن بيّن سبحانه
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) الشوكاني . ( 3 ) المراغي .