مستغرقون في مناجاة ربهم ، فلا يشعرون بشيء من المتاعب والمشاق . ومن ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم « وجعلت قرة عيني في الصلاة » ؛ لأنّ اشتغاله بها كان راحة له ، وكان غيرها من أعمال الدنيا تعبا ؛ ولأنهم مترقبون ما ادّخروا من الثواب ، فتهون عليهم المشاق . ومن ثم قيل للربيع بن خثيم ، وقد أطال صلاته : أتعبت نفسك ، قال :
راحتها أطلب . وقيل : من عرف ما يطلب ، هان عليه ما يبذل ، ومن أيقن بالخلف ، جاد بالعطية .
ثمّ وصف الخاشعين بأوصاف تقربهم إلى ربهم ، وتدعوهم للإخبات إليه ، فقال :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ
ويوقنون ، ويعلمون ، ويعتقدون اعتقادا جازما في كل لحظة
أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
؛ أي : ملاقوا جزائه بالموت . والمفاعلة هنا ، ليست على بابها ، ولا أرى بأسا في حملها على معناها الأصليّ من دون تقدير مضاف ؛ أي : أنهم معاينوه ، وراءوه ، وهو كناية عن شهودهم مشهد العرض والسؤال يوم القيامة ، وهو الوجه فيما يروى في الأخبار ، نحو : لقي اللّه وهو عليه غضبان ، وما يجري مجراه ؛ أي : يعتقدون في كل لحظة اعتقادا جازما أنهم يبعثون ، ويرون ربهم ، ويحاسبون على أعمالهم
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ
؛ أي : إلى ربهم
راجِعُونَ
في الآخرة ؛ أي : إلى جزائه إياهم ، فيجازيهم بأعمالهم ؛ أي :
يصدّقون بالبعث ، والحساب ، والمجازاة ، وأمّا الذين لا يوقنون بالجزاء ، ولا يرجون الثواب ، ولا يخافون العقاب ، كانت عليهم مشقة خالصة ، فتثقل عليهم ، كالمنافقين ، والمرائين . فالصبر على الأذى والطاعات ، من باب جهاد النفس ، وقمعها عن شهواتها ، ومنعها من تطاولها ، وهو من أخلاق الأنبياء ، والصالحين . قال يحيى بن اليمان : الصبر : أنّ لا تتمنّى حالة سوى ما رزقك اللّه ، والرضى بما قضى اللّه من أمر دنياك وآخرتك ، وهو بمنزلة الرأس من الجسد . اه .
فإن قلت : ما فائدة قوله :
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
مع قوله :
أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
مع أن الأول يغني عن الثاني ؟ .
قلت : لا يغني عنه ؛ لأنّ المراد بالأول : أنهم ملاقو ثواب ربهم على الصبر