تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
من البر ، كالمنسيّات ، لأنّ أصل السهو ، والنسيان الترك ، إلا أن السهو يكون لما علمه الإنسان ، ولما لم يعلمه . والنسيان لما عزب بعد حضوره ، كانوا يقولون لفقرائهم الذين لا مطمع لهم فيهم بالسرّ : آمنوا بمحمد ، فإنه حقّ ، وكانوا يقولون للأغنياء : نرى فيه بعض علامات نبي آخر الزمان دون بعض ، فانتظروا ، استيفاء لما ينالون منهم ، ويؤخّرون أمور أنفسهم ، فلا يتبعونه في الحال ، مع عزيمتهم أن يتبعوه يوما ، وكذا حال من تمادى في العصيان ، وهو يقول : أتوب عند الكبر والشيب ، وربّما يفجؤه الموت ، فيبقى في حسرة الفوت
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
؛ أي : والحال أنكم تقرءون التوراة الناطقة بنعوته صلّى اللّه عليه وسلّم ، الآمرة بالإيمان به
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
؛ أي : أتدومون على ذلك ، فلا تفهمون أنه قبيح ، فترجعون عنه ؛ أي : أليس لكم عقل تعرفون به ، أنه قبيح منكم عدم إصلاح أنفسكم ، والاشتغال بغيركم ؟ ! . والعقل في الأصل : المنع والإمساك ، ومنه العقال الذي يشدّ به وظيف البعير إلى ذراعيه لحبسه عن الحراك ، سمي به النور الروحانيّ الذي به تدرك النفس العلوم الضروريّة ، والنظرية ؛ لأنه يحبس عن تعاطي ما يقبح ، ويعقل على ما يحسن ، ومحله الدماغ ؛ لأنّ الدماغ محلّ الحسّ ، وعند البعض محلّه القلب ؛ لأنّ القلب معدن الحياة ومادّة الحواس ، وعند البعض هو نور في بدن الآدمي واللّه أعلم . والأوّل أرجح ، ثم هذا التوبيخ ليس على أمر الناس بالبر ، بل لترك العمل به ، فمدار الإنكار والتوبيخ هي الجملة المعطوفة ، وهي جملة تنسون أنفسكم ، دون ما عطفت هي عليه ، وهي أتأمرون الناس بالبر . ولا يستقيم قول : من لا يجوّز الأمر بالمعروف لمن لا يعمل به لهذه الآية ، بل يجب العمل به ، ويجب الأمر به ، وقد جاء في الخبر « مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به ، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه » ، وذلك ؛ لأنه إذا أمر به مع أنه لا يعمل به ، وفقد ترك واجبا ، وإذا لم يأمر به ، فقد ترك واجبين ، فالأمر بالحسن حسن وإن لم يعمل به ، ولكن قلّما نفعت موعظة من لم يعظ نفسه . ومن أمر بخير ، فليكن أشد الناس مسارعة إليه ، ومن نهى عن شيء ، فليكن أشدّ الناس انتهاء عنه . وهذه الآية كما ترى ، ناعية على من يعظ غيره ، ولا يعظ نفسه سوء