تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ
قرأ الجمهور
قَدَّرْنا
بالتشديد ، وقرىء بالتخفيف ، وهما لغتان وقراءتان سبعيتان ، يقال : قدرت الشيء وقدرته أي قسمناه عليكم ووقتناه لكل فرد من أفرادكم ، وقيل : قضينا ، وقيل : كتبنا ، وقيل : أوجبنا ، والمعنى متقارب ، قال مقاتل : فمنكم من يموت كبيرا ومنكم من يموت صغيرا . وقال الضحاك : معناه أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء .
وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
أي بمغلوبين وعاجزين بل قادرين
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
أي نأتي بخلق مثلكم ، قال الزجاج : إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا وقال السمين : الأمثال جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء ، أي نحن قادرون على أن نعدمكم ونخلق قوما آخرين أمثالكم ، ويؤيده :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ
[ النساء : 133 ] أو جمع مثل بفتحتين وهو الصفة ، أي نغير صفاتكم التي أنتم عليها خلقا وخلقا ، قلت : والأول أولى ، وقال ابن جرير : المعنى نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم ، بآخرين من جنسكم ، وما نحن بمسبوقين في آجالكم ، أي لا يتقدم متأخر ، ولا يتأخر متقدم .
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
من الصور والهيئآت ، قال الحسن أي نجعلكم قردة وخنازير ، كما فعلنا بأقوام قبلكم ، وقيل : المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا ، وقال سعيد بن المسيب : يعني في حواصل طيور سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف وبرهوت واد باليمن ، وقال مجاهد : يعني في أي خلق شئنا ، ومن كان قادرا على هذا فهو قادر على البعث .
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى
وهي ابتداء الخلق من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ولم تكونوا قبل ذلك شيئا ، أو الترابية لأبيكم آدم ، واللحمية لأمكم حواء ، والنطفية لكم ، وكل منها تحويل من شيء إلى غيره ، وقال قتادة والضحاك : يعني خلق آدم من تراب
فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
أي فهلا تذكرون قدرة اللّه سبحانه على النشأة الأخرى وتقيسونها على النشأة الأولى ؟ فإن من قدر على الأولى يقدر على الثانية ، فإنها أقل كلفة من الأولى في العادة ، قرأ الجمهور النشأة بالقصر وقرىء بالمد ، وقد مضى تفسير هذا في سورة العنكبوت ، وفيه دليل على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى .
أَ فَرَأَيْتُمْ
أي أخبروني
ما تَحْرُثُونَ
من أرضكم وتثيرون فتطرحون ، وتلقون فيها البذر ، والمعنى أفرأيتم البذر الذي تلقونه في الطين
أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ
أي تنبتونه وتجعلونه زرعا ، فيكون فيه السنبل والحب والزرع طرح البذر ، والزرع أيضا الإنبات ، يقال : زرعه اللّه أي أنبته .