أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
أي المنبتون له الجاعلون له زرعا لا أنتم ، قال المبرد : زرعه اللّه أي أنماه ، فإذا أقررتم بهذا فكيف تنكرون البعث ؟ عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يقولن أحدكم زرعت ولكن يقول حرثت ، قال أبو هريرة : ألم تسمعوا اللّه يقول :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ »
الآية أخرجه البزار وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الشعب وضعفه
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ
أي : لجعلنا ما تحرثون
حُطاماً
أي متحطما مفتتا متكسرا أي نباتا يابسا لا حب فيه ، والحطام الهشيم الذي لا ينتفع به ولا يحصل منه حب ولا شيء مما يطلب من الحرث ، وقيل : تبنا لا قمح فيه .
فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
أي فصرتم تعجبون ، قاله ابن عباس ، قال الفراء : تفكهون تتعجبون فيما نزل بكم في زرعكم ، قال في الصحاح : وتفكه تعجب ويقال تندم ، وقال الحسن وقتادة وغيرهما : معنى الآية تعجبون من ذهابه وتندمون مما حل بكم ، وقال عكرمة : تلاومون وتندمون على ما سلف منكم من معصية اللّه ، وقال أبو عمرو والكسائي : هو التلهف على ما فات ، قرأ الجمهور :
فَظَلْتُمْ
بفتح الظاء مع لام واحدة ، وقرىء بكسرها معها ، وقرىء ظللتم بلامين أولاهما مكسورة على الأصل ، وروي فتحها وفي لغة ، وقرأ الجمهور
تَفَكَّهُونَ
بالهاء ، وقرىء تفكنون بالنون مكان الهاء أي تندمون ، قال ابن خالويه : تفكه تعجب ، وتفكن تندم ، وفي الصحاح : التفكن التندم ، والتفكه التنقل بصنوف الفاكهة ، وقد استعير للتنقل في الحديث .
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ
قرأ الجمهور بهمزة واحدة على الخبر ، وقرىء بهمزتين على الاستفهام ، أي أتقولون : إنا لملزمون غرما بما هلك من زرعنا ؟ والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض ، قاله الضحاك وابن كيسان والكرخي ، وقال الزمخشري : أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ، وقيل : المعنى إنا لمعذبون ، قاله قتادة وغيره ، وقال مجاهد وعكرمة : لمولع بنا يقال : أغرم فلان لفلان أي أولع به ، وقال مقاتل : مهلكون أي لهلاك رزقنا ، قال النحاس : مأخوذ من الغرام وهو الهلاك ؛ والظاهر من السياق المعنى الأول أي إنا لمغرمون بذهاب ما حرثنا ومصيره حطاما ،
ثم أضربوا عن قولهم هذا وانتقلوا فقالوا :
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
أي حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا ، والمحروم الممنوع من الرزق الذي لاحظ له فيه ، وهو المحارب ، وقيل : محارفون محدودون لا مجدودون .
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ
فتسكنون به ما يلحقكم من العطش وتدفعون به ما ينزل بكم من الظمأ ، واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثر فوائد الماء ومنافعه ، لأنه أعظم فوائده وأجل منافعه
أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
أي السحاب قاله ابن عباس ، وقال أبو زيد : المزنة السحاب البيضاء ، والجمع مزن والمزنة المطر قاله في الصحاح
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ
دون غيرنا ، فإذا عرفتم ذلك فكيف لا تقرون بالتوحيد وتصدقون بالبعث
ثم بين لهم سبحانه أنه لو يشاء لسلبهم هذه النعمة فقال :
لَوْ نَشاءُ