تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
المتعارف ، فيطمع السامع ، فإذا نفى عنه ما هو المطلوب من الظل ، وهو البرد والاسترواح جاءت السخرية والتهكم والتعريض بأن الذين يستأهلون الظل الذي فيه برد وإكرام غير هؤلاء ، فيكون أشجى لحلوقهم ، وأشد لتحسرهم . قال الرازي : وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائما ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب فقال :
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ
أي قبل هذا العذاب النازل بهم
مُتْرَفِينَ
في الدنيا أي منعمين بما لا يحل لهم فمنعهم ذلك من الانزجار ، وشغلهم عن الاعتبار ، وإنما كان الترفة هنا ذما من حيث إنهم جعلوا من جملته القعود عن الطاعات وتركها ، فصح ذمهم بهذا الاعتبار مع أنه في الواقع ليس ذما في حد ذاته ، والمترف المتنعم ، وقال السدي : مشركين ، وقيل : متكبرين والأول أولى والجملة تعليل لاستحقاقهم هذه العقوبة . قال الرازي : والحكمة في ذكره سبب عذابهم ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم ، فلم يقل : إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين ، وذلك للتنبيه على أن الثواب منه تعالى فضل والعقاب منه عدل والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يوهم بالمتفضل نقصا ولا ظلما ، وأما العدل فإنه إن لم يذكر سبب العقاب يظن أنه ظالم ، ويدل على ذلك أنه تعالى لم يقل في حق أصحاب اليمين
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السجدة : 17 ] كما قال في السابقين ، لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل بخلاف من كثرت حسناته فإنه يحسن إطلاق الجزاء في حقه .
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ
الحنث الذنب ، أي : يصرون على الذنب العظيم ، قال الواحدي : قال أهل التفسير : عنى به الشرك لأنه نقض عهد الميثاق ، والحنث نقض العهد المؤكد باليمين . أي كانوا لا يتوبون عن الشرك ، وبه قال الحسن والضحاك وابن زيد ، وقال قتادة ومجاهد : هو الذنب العظيم الذي لا يتوبون عنه ، وقال الشعبي : هو اليمين الغموس ، وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون ، وكذبوا في ذلك ، يدل عليه قوله :
وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
الاستفهام في الموضعين للإنكار ، والاستبعاد وقد تقدم الكلام على هذا في الصافات وفي سورة الرعد . والمعنى أنهم أنكروا واستبعدوا أن يبعثوا بعد الموت وقد صاروا عظاما وترابا ، والمراد أنه صار لحمهم وجلودهم ترابا . وصارت عظامهم نخرة بالية والعامل في الظرف ما يدل عليه : مبعوثون ، لأن ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله ، أي انبعث إذا متنا ؟
أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ
معطوف على الضمير في
لَمَبْعُوثُونَ
لوقوع الفصل بينهما بالهمزة ، والمعنى أن بعث آبائهم الأولين أبعد لتقدم موتهم ، ثم أمر اللّه سبحانه