تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
الآخرين ؟ قلت ذاك في السابقين الأولين ، وقليل من يلحق بهم من الآخرين ، وهذا في أصحاب اليمين ، وإنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعا . ثم لما فرغ سبحانه مما أعده لأصحاب اليمين شرع في ذكر أصحاب الشمال وما أعده لهم فقال :
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ
الكلام في هذا وما فيه من التفخيم كما سبق في أصحاب اليمين . والشمال والمشأمة واحدة
فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ
السموم حر النار ، والحميم الماء الحار الشديد الحرارة ، وقيل السموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن ، وقد سبق بيان معناهما .
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ
اليحموم يفعول من الأحم ، أو الحميم وهو الأسود تقول أسود يحموم إذا كان شديد السواد ، والمعنى : إنهم يفزعون إلى الظل فيجدونه ظلا من دخان جهنم ، شديد السواد ، وقيل هو مأخوذ من الحم وهو الشحم المسود باحتراق النار ، وقيل مأخوذ من الحمم وهو الفحم والرماد ، وقال الضحاك : النار سوداء وأهلها سود وكل ما فيها أسود ، قال ابن عباس : يحموم دخان أسود ، وفي لفظ دخان جهنم ، وقيل : واد في جهنم ، وقيل : اسم من أسمائها والأول أظهر ، ثم وصف اللّه سبحانه هذا الظل بقوله :

[ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 44 إلى 57 ]

لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ( 44 ) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ ( 45 ) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ( 46 ) وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 47 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 48 ) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ( 49 ) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 50 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ( 51 ) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ( 52 ) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 53 ) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ( 54 ) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ( 55 ) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ( 56 ) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ( 57 )
لا بارِدٍ
أي ليس كغيره من الظلال التي تكون باردة بل هو حار ضار لأنه من دخان نار جهنم
وَلا كَرِيمٍ
قال سعيد بن المسيب : أي ليس فيه حسن منظر ، وكل ما لا خير فيه فليس بكريم ، وقال الضحاك : ولا كريم ولا عذب ، قال الفراء : العرب يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه وصفا تنوي به الدم ، تقول ما هو بسمين ولا كريم ، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة ، والنعتان المذكوران لقوله : ظل ، لا ليحموم وما قيل من أنه يلزم على ذلك تقديم غير الصريحة على الصريحة فلا يرد ، لأن الترتيب غير واجب نص عليه الرضي مع أنه هنا يفضي إلى عدم توازن الفاصلتين ، وجعلهما نعتين ليحموم لا يلائم البلاغة القرآنية ، وكان من حق الظاهر أن يقال : وظل حار ضار ، فعدل إلى قوله
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ
ليتبادر منه إلى الذهن أولا الظل