تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
أي يدور حولهم للخدمة غلمان شكلهم شكل الولدان دائما ، والجملة حالية أو مستأنفة لبيان بعض ما أعد اللّه لهم من النعيم ، قال مجاهد : المعنى لا يموتون ، وقال الحسن والكلبي : لا يهرمون ولا يتغيرون ولا ينتقلون من حالة إلى حالة ، مبقون أبدا ، قال الفراء : والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط : إنه لمخلد ، وقال سعيد بن جبير : مخلدون مقرطون ، قال الفراء : يقال : خلد جاريته إذا حلاها بالخلدة ، وهي القرطة ، وهي الحلقة تعلق في الأذن . وقال عكرمة : مخلدون منعمون ، وقيل : مستورون بالحلية ، وروي نحوه عن الفراء ، وقيل : مخلدون ممنطقون قيل : وهم ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا لا حسنة لهم ولا سيئة ، وهو ضعيف ، وقيل : هم أطفال المشركين ماتوا قبل التكليف ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة ابتداء ، كالحور العين من غير ولادة ، للقيام بهذه الخدمة ، ليسوا من أولاد الدنيا وهذا هو الصحيح . وأطلق عليهم اسم الولدان لأن العرب تسمي الغلام وليدا ما لم يحتلم ، والأمة وليدة وإن أسنت .
بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ
الأكواب هي الأقداح المستديرة الأفواه ، التي لا آذان لها ولا عرى ، وقد مضى بيان معناها في سورة الزخرف ، والأباريق هي ذوات العرى والخراطيم ، واحدها أبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه ، ويرى باطنها كما يرى ظاهرها .
وَكَأْسٍ
إناء
مِنْ مَعِينٍ
أي من خمر جارية ، أو من ماء جار ، والمراد به هنا الخمر الجارية من منبع لا ينقطع أبدا ، وقد تقدم بيان معنى الكأس في سورة الصافات .
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها
أي لا تتصدع رؤوسهم من شربها كما تتصدع من شرب خمر الدنيا ، وعنها كناية عن الكأس أي بسببها ، والصداع هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه ، والخمر تؤثر فيه ، وقيل : المعنى لا يتفرقون كما يتفرق الشراب ، ويقوي هذا المعنى قراءة مجاهد : يصدعون بفتح الياء وتشديد الصاد ، والأصل يتصدعون أي يتفرقون ، والجملة مستأنفة لبيان ما أعد اللّه لهم من النعيم .
وَلا يُنْزِفُونَ
أي لا يسكرون فتذهب عقولهم ، قرىء بكسر الزاي وبفتحها ، وهما سبعيتان ، من أنزف الشارب ونزف إذا نفد عقله أو شرابه ، أي لا يحصل لهم منها ذهاب عقل ، بخلاف خمر الدنيا
وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ
أي يختارونه ، يقال : تخيرت الشيء إذا أخذت خيره .
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ
أي ما يتمنونه وتشتهيه أنفسهم ، والمعنى يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمنفكة به ، قرأ الجمهور فاكهة ولحم طير بالجر ، وقرىء بالرفع على الابتداء ، والخبر مقدر ، أي ولهم فاكهة ولحم طير ، وفي تخصيص الفاكهة بالتخير واللحم بالاشتهاء بلاغة ، لأن الجائع مشته والشبعان غير مشته ، بل هو مختار ، ولذا قدم الفاكهة على اللحم .