تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
وقال محمد بن كعب : إنهم الأنبياء وقال ابن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين ، وقيل : هم الذين سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات ، وقيل : هم السابقون إلى الصلوات الخمس ، وقيل : المسارعون في الخيرات ، وقال مجاهد : هم الذين سبقوا إلى الجهاد وبه قال الضحاك . وقال سعيد بن جبير : هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر ، وقال الزجاج : المعنى والسابقون إلى طاعة اللّه هم السابقون إلى رحمة اللّه ، قال ابن عباس : السابقون يوشع بن نون سبق إلى موسى ، ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى ، وعلي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه سبق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعنه قال : نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون ، وحبيب النجار الذي ذكر في يس ، وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وكل رجل منهم سابق أمة ، وعلي أفضلهم سبقا . وعن عائشة رضي اللّه عنها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إنه قال : « أتدرون من السابقون إلى ظل اللّه يوم القيامة ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم قال : الذين إذا أعطوا الحق قبلوه ، وإذا سئلوا بذلوا ، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم » « 1 » أخرجه أحمد قيل ووجه تأخير هذا الصنف الثالث ، مع كونه أشرف من الصنفين الأولين ، وأسبق الأقسام وأقدمهم في الفضل ، هو أن يقترن به ما بعده وهو قوله :
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
فالإشارة هي إليهم ، أي : المقربون إلى جزيل ثواب اللّه ، وعظيم كرامته ، أو الذين قربت إلى العرش العظيم درجاتهم ، وأعليت مراتبهم ، ورقت إلى حظائر القدس نفوسهم الزكية . وما في أولئك من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل ، ومحله الرفع على الابتداء ، وخبره ما بعده ، هذا أظهر ما ذكر في إعراب هذه الجملة ، وأشهره وهو الذي يقتضيه جزالة التنزيل ، وجنات النعيم ، خبر ثان ، أو حال من الضمير في المقربون ، أو متعلق به ؛ أي : قربوا إلى رحمة اللّه فيها ، قرأ الجمهور جنات بالجمع ، وقرىء جنة بالإفراد وإضافة الجنات إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه ، كما يقال : دار الضيافة ، ودار الدعوة ، ودار العدل .
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ
أي هم ثلة ، وهي الجماعة التي لا يحصر عددها ، قال الزجاج : معنى ثلة فرقة من ثللت الشيء إذا قطعته ، والمراد بالأولين هم الأمم السابقة من لدن آدم إلى نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، من بينهما من الأنبياء العظام
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
أي من هذه الأمة وسموا قليلا بالنسبة إلى من كان قبلهم ، وهم كثيرون لكثرة الأنبياء فيهم ، وكثرة من أجابهم قال الحسن : سابقو من مضى أكثر من سابقينا ، قال الزجاج : الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يخالف هذا ما ثبت في الصحيح .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 67 ، 69 .