تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، « إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، ثم قال : ثلث أهل الجنة ، ثم قال : نصف أهل الجنة » « 1 » ، لأن قوله
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
إنما هو تفصيل فقط كما سيأتي في ذكر أصحاب اليمين إنهم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم فيجتمع من قليل سابقي هذه الأمة ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة . والمقابلة بين الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما ، لجواز أن يقال : هذه الثلة أكثر من هذه الثلة . كما يقال ؛ هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة وهذه الفرقة أكثر من هذه الفرقة وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة وبهذا تعرف أنه لم يصب من قال : إن هذه الآية منسوخة بالحديث المذكور عن أبي هريرة قال : « لما نزلت
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنزلت :
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، ثلث أهل الجنة ، بل أنتم نصف أهل الجنة ، أو شطر أهل الجنة ، وتقاسمونهم النصف الثاني » « 2 » أخرجه أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه . ثم ذكر سبحانه حالة أخرى للسابقين المقربين فقال :
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ
قرأ الجمهور بضم السين والراء الأولى ، وقرىء بفتح الراء ، وهي لغة كما تقدم ، جمع سرير ، وهو ما يجعل للإنسان من المقاعد العليا ، الموضوعة للراحة والكرامة ، والموضونة المنسوجة ، والوضن النسج المضاعف ، يقال : وضن الشيء يضنه فهو موضون ووضين ، ثنى بعضه على بعض وضاعفه ، والغزل نسجه ، والموضونة الدرع المنسوجة أو المتقاربة النسج ، أو المنسوجة حلقتين حلقتين ، أو بالجواهر ، كذا في القاموس . قال الواحدي : قال المفسرون : منسوجة بقضبان الذهب ، وقيل : مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد ، وقيل : إن الموضونة المصفوفة ، قاله ابن عباس ، وقال مجاهد : هي المرمولة بالذهب ، والمعنى مستقرين على سرر .
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها
أي على السرر على الجنب أو غيره ، كحال من يكون على كرسي فيوضع تحته شيء آخر للاتكاء عليه ، قال الكلبي : طول كل سرير ثلاثمائة ذراع فإذا أراد العبد ، أن يجلس عليه تواضع وانخفض له ، فإذا جلس ارتفع
مُتَقابِلِينَ
لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ، وصفوا بحسن العشرة ، وتهذيب الأخلاق ، وصفاء المودة ، وقال مجاهد وغيره : هذا في المؤمن وزوجته وأهله .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 376 ، 377 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 391 .