تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
مبتدأ خبره
ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
أي أيّ شيء هم في حالهم وصفتهم وسعادتهم ؟ وتكرير المبتدأ هنا بلفظة مغن عن الضمير الرابط كما في قوله
الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ
[ الحاقة : 1 ، 2 ] ، و
الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ
[ القارعة : 1 ، 2 ] ولا يجوز مثل هذا إلا في مواضع التعظيم والتفخيم . والكلام في قوله :
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
كالكلام فيما تقدم ، والمراد بهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار ، أو يأخذون صحائف أعمالهم بشمائلهم ، والمراد تعجيب السامع من حال الفريقين في الفخامة والفظاعة ، كأنه قيل فأصحاب الميمنة في نهاية السعادة وغاية حسن الحال ، وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة وغاية سوء الحال ، فالاستفهام في كلا الموضعين للتعجيب ، وقال السدي : أصحاب المشأمة هم الذين كانوا عن شماله ، وقال زيد بن أسلم : أصحاب الميمنة هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن ، وأصحاب المشأمة هم الذين أخذوا من شقه الأيسر ، وقال ابن جريج : أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات ، وأصحاب المشأمة هم أهم السيئات . وقال الحسن والربيع : أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم بالأعمال الحسنة ، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم بالأعمال القبيحة ، وقال المبرد : أصحاب الميمنة أصحاب التقدم ، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخر ، والعرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ، أي اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين ، وقيل : المراد أصحاب المنزلة السنية الرفيعة ، وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة ، أخذا من تيامنهم بالميامين ، وتشاؤمهم بالشمائل . أخرج أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، تلا هذه الآية :
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ،
فقبض بيديه قبضتين فقال : هذه في الجنة ولا أبالي ، وهذه في النار ولا أبالي » « 1 » .
وَالسَّابِقُونَ
مبتدأ وخبره قوله :
السَّابِقُونَ
والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم كما مر في القسمين الأولين ، كما نقول : أنت أنت وزيد زيد ، وفيه تأويلان . أحدهما : بمعنى السابقون ، هم الذين اشتهرت حالهم بذلك ، وعرفت محاسنهم . والثاني : أن متعلق السبقين مختلف ، والتقدير : السابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة ، والأول أولى ، لما فيه من الدلالة على التفخيم والتعظيم ، وقال الحسن وقتادة : هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة عند ظهور الحق من غير تلعثم وتوان ،
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 239 .