تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
على هذا ما قدمناه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأها على الجن والإنس ، وقيل : الخطاب للإنس ، وثناه على قاعدة العرب في خطاب الواحد بلفظ التثنية ، كما قدمنا في قوله : ألقيا في جهنم ، والآلاء النعم . قال القرطبي : وهو قول جميع المفسرين ، واحدها إلى وإلى مثل معي وعصا وإلى « وإلى » أربع لغات حكاها النحاس ، وزاد في القاموس ألو ، وقال ابن زيد : إنها القدرة ، أي : فبأي قدرة ، وبه قال الكلبي ، وقال ابن عباس : فبأي نعمة اللّه وقال : يعني الجن والإنس . وكرر سبحانه هذه الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعا تقريرا للنعمة وتأكيدا للتذكير بها ، على عادة العرب في الاتساع ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق اللّه ، وبدائع صنعه ، ومبدأ الخلق ومعادهم ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها ، بعدد أبواب جهنم ، وحسن ذكر الآلاء عقبها لأن من جملة الآلاء رفع البلاء ، وتأخير العقاب ، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما بعدد أبواب الجنة وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأولين ، أخذا من قوله :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
[ الرحمن : 62 ] ، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق هاتين الثمانيتين من اللّه ووقاه السبعة السابقة ، أفاده شيخ الإسلام في متشابه القرآن . قال القتيبي : إن اللّه عدد في هذه السورة نعماءه ، وذكر خلقه آلاءه ، ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية ، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ، لينبههم على النعم ، ويقررهم بها ، كما تقول لمن تتابع له إحسانك وهو يكفره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك ؟ أفتنكر هذا ؟ ألم تكن خاملا فعززتك ؟ أفتنكر هذا ؟ ألم تكن راجلا فحملتك ؟ أفتنكر هذا ؟ ألم تكن عريانا فكسوتك ؟ أفتنكر هذا ؟ والتكرير حسن في مثل هذا ومنه قول الشاعر :
لا تقتلي رجلا إن كنت مسلمة * إياك من دمه إياك إياك
ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب ، وذلك لأن اللّه تعالى ذكر في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليمه البيان وخلق الشمس والقمر ، والسماء والأرض ، إلى غير ذلك مما أنعم به على خلقه ، وخاطب الجن والإنس بالأشياء المذكورة ، لأنها كلها منعم بها عليهم ، قال الحسين بن الفضل : التكرير طرد للغفلة ، وتأكيد للحجة ، وذهب جماعة منهم ابن قتيبة إلى أن التكرير لاختلاف النعم ، فلذلك كرر التوقيف مع كل واحدة . وقال الرازي : وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الالتفات والمراد به التقرير والزجر ، وذكر لفظ الرب لأنه يشعر بالرحمة . وكررت هذه اللفظة في هذه السورة إما للتأكيد ، ولا يعقل لخصوص العدد معنى ، قال الجلال المحلي : والاستفهام فيها