تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
للتقرير ، لما روى الحاكم . عن جابر قال : « قرأ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سورة الرحمن حتى ختمها ، ثم قال : ما لي أراكم سكوتا ، للجن كانوا أحسن منكم ردا ، ما قرأت عليهم هذه الآية إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد » قلت : ويؤخذ من هذا أنه يسن لسامع القارئ لهذه السورة أن يجيبه بالجواب المذكور ؛ كلما قرأ الآية المذكورة ، كما فعلت الجن وأقرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك ، ولام على الصحابة في سكوتهم ، وصرح بالسنية الكازروني في تفسيره ، وصنيع أبي السعود يقتضي أن الاستفهام للتوبيخ والإنكار ، ولفظه الفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فضل من فنون النعم ، وصنوف الآلاء الموجبة للشكر والإيمان حتما والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية ، والتربية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير ، وتشديد التوبيخ ، وقرىء آلاء على أصله بالمد والتوسط والقصر في جميع هذه السورة . ولما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير ، وهو السماء والأرض وما فيهما ، ذكر خلق العالم الصغير وقال :
خَلَقَ الْإِنْسانَ
وهذا تمهيد للتوبيخ على إخلالهم بواجب شكر النعم ، المتعلقة بذات كل واحد من الثقلين ، والمراد بالإنسان هنا آدم . قال القرطبي بالاتفاق من أهل التأويل ، ولا يبعد أن يراد به الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم
مِنْ صَلْصالٍ
أي : من طين يابس يسمع له صلصلة أي : صوت إذا نقر أي ليختبر هل فيه عيب أو لا ؟ وقيل هو طين خلط برمل وقيل : هو الطين المنتن يقال : صل اللحم وأصل ، إذا أنتن ، وقد تقدم بيانه في سورة الحجر .
كَالْفَخَّارِ
أي الخزف الذي طبخ بالنار ، والمعنى : أنه خلق الإنسان من طين يشبه من يبسه الخزف ، فإن قلت : قد اختلفت العبارات في صفة خلق الإنسان الذي هو آدم ، فقال تعالى في آل عمران :
مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] وقال في الحجر :
مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
[ الحجر : 26 ] ، وقال في الصافات :
مِنْ طِينٍ لازِبٍ
[ الصافات : 11 ] ، وزاد الخازن :
مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
[ السجدة : 8 ] ، وقال : هنا
مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ،
قلت : ليس فيها اختلاف بل المعنى متفق ، وذلك أن اللّه تعالى خلقه أولا من تراب ثم جعله طينا لازبا لما اختلط بالماء ، ثم حمأ مسنونا ، وهو الطين الأسود المنتن ، فلما يبس صار صلصالا كالفخار ، قال الخطيب : المذكور هنا آخر تخليقه وهو أنسب بالرحمانية وفي غيرها تارة مبدأه ، وتارة إثناؤه ، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجان بالهواء الحامل للحر ، الذي هو من فيح جهنم فمن التراب جسده ونفسه من الماء روحه وعقله ، ومن النار مطلب غوايته وحدته ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه .