تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
وقيل : الميزان القرآن ، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه ، وبه قال الحسين بن الفضل والأول أولى ، ومعنى
أَلَّا تَطْغَوْا
لئلا تطغوا فلا نافية ، وتطغوا منصوب بأن وقبلها لام العلة مقدرة ، وهذا أولى . وقيل : إن هي مفسرة ، لأن في الوضع معنى القول ، ولا للنهي والطغيان مجاوزة الحد ، فمن قال : الميزان العدل قال : طغيانه الجور ، ومن قال الميزان الآلة التي يوزن بها قال : طغيانه البخس ، وقيل : الميزان كل ما توزن به الأشياء ، وتعرف مقاديرها ؛ من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس ، أي خلقه موضوعا على الأرض ، حيث علق به أحكام عباده من التسوية والتعديل ، في أخذهم وإعطائهم ، وقيل : المعنى أنه وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال . ثم أمر سبحانه بإقامة العدل بعد إخباره للعباد بأنه وضعه لهم فقال :
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ
أي قوموا وزنكم بالعدل ، وقيل : المعنى أقيموا لسان الميزان بالعدل ، وقيل : الإقامة باليد : والقسط بالقلب ، وقال مجاهد : القسط العدل بالرومية ، قلت : ومنه القسطاس بمعنى الميزان . وقيل : معناه لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل .
وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
أي لا تنقصوه . ولا تبخسوا الكيل والوزن وهذا كقوله :
وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
[ هود : 84 ] ، وقيل : معناه لا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة ، فيكون ذلك حسرة عليكم ، والأول أولى ، وقال قتادة في هذه الآية : أعدل ابن آدم كما تحب أن يعدل لك ، وأوف كما تحب أن يوفى لك ، فإن العدل صلاح الناس ، أمر سبحانه أولا بالتسوية ، ثم نهى عن الطغيان الذي هو المجاوزة للحد بالزيادة ، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس ، وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية به ، وتقوية للأمر باستعماله ، والحث عليه ، قرأ الجمهور : تخسروا من أخسر وقرىء بفتح التاء والسين من خسر ، وهما لغتان ، ويقال : أخسرت الميزان وخسرته . ثم لما ذكر سبحانه أنه رفع السماء ذكر أنه وضع الأرض فقال :
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ
أي : خفضها مدحوة ، وبسطها على الماء لجميع الخلق ، مما له روح وحياة ، ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس والجن ، قال ابن عباس : للأنام للناس ، أي لأجل انتفاعهم بها ، وعنه قال : كل شيء فيه روح .
فِيها فاكِهَةٌ
أي : كل ما يتفكه به الإنسان من أنواع الثمار والجملة حال مقدرة ، والأحسن أن يكون الجار والمجرور هو الحال ، وفاكهة رفعت بالفاعلية ، ونكرت ، لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما ذكر بعدها ، فهو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، ثم أفرد النخل بالذكر لشرفه ، ومزيد فائدته على سائر الفواكه ، فقال :