تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
والغالب في جبلته التراب فلذا نسب إليه وإن كان خلقه من العناصر الأربع كما أن الجان من العناصر الأربع ، لكن الغالب في جبلته النار فنسب إليها كما قال تعالى :
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ
يعني خلق أبا الجن وقيل : هو إبليس أو جنس الجن ، ومن لابتداء الغاية والمارج اللهب الصافي من النار وقيل : الخالص منها وقيل لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت ، وقال الليث : المارج الشعلة الصادعة ذات اللهب الشديد قال المبرد : المارج النار المرسلة التي لا تمنع ، وقال أبو عبادة : المارج خلط النار من مرج إذا اختلط واضطرب ، قال الجوهري : مارج من نار ، نار لا دخان لها ، خلق منها الجان ، وقال ابن عباس : من لهب النار وخالصها ، وقيل : هو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت .
مِنْ نارٍ
هو بيان للمارج ، أو من للتبعيض ، أو أراد من نار مخصوصة كقوله :
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى
[ الليل : 14 ] ، أو من صاف من نار ، أو مختلط من النار كما تقدم
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى ، فهلا اعتبرتم بهذه الأصول ؟ فصدقتم بالآخرة ، لعلكم تنجون من عذاب اللّه تعالى :
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو ربهما ، وقيل : مبتدأ ، وخبره مرج البحرين ، بينهما اعتراض ، والأول أولى ، والمراد بالمشرقين مشرق الشتاء والصيف ، وبالمغربين مغرباهما ، قال ابن عباس : للشمس مطلع في الشتاء ومغرب في الشتاء ، ومطلع في الصيف ومغرب في الصيف ، غير مطلعها في الشتاء وغير مغربها في الشتاء ، وعنه قال مشرق الفجر ومشرق الشفق ، ومغرب الشمس ومغرب الشفق .

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 18 إلى 33 ]

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 ) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 30 ) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 32 ) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ ( 33 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
فإن في ذلك من النعم ما لا يحصى ، كاعتدال الهواء واختلاف الفصول ، وحدوث ما يناسب كل فصل فيه ، أو بغير ذلك ، ولا يتيسر لمن أنصف من نفسه تكذيب فرد من أفراده .