تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
ولعل وجه تكرير تيسير القرآن بالذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منّة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها ، ولأن في كل قصة إشهارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب ، واستماع كل قصة مستدع للإدكار والاتعاظ ، وهذا حكم التكرير في قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 13 ] عند كل نعمة عدها ، وقوله :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
[ المرسلات : 15 ] عند كل آية أوردها ، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبرة حاضرة للقلوب مصورة للأذهان ، مذكورة غير منسية في كل أوان .
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
جمع نذير أو مصدر بمعنى الإنذار كما تقدم ، وهي الآيات التسع التي أنذرهم بها موسى ، وهذا أولى ، لقوله :
كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها
فإنه بيان لذلك ، والمراد بها الآيات التسع التي تقدم ذكرها ، وقيل : النذر موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء
فَأَخَذْناهُمْ
بالعذاب
أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ
أي أخذ غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء ، ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال :

[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 43 إلى 55 ]

أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 ) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ( 46 ) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 47 ) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ( 48 ) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 ) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 )
أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ
الاستفهام للإنكار ، والمعنى النفي ، أي ليس كفاركم يا أهل مكة ، أو يا معشر العرب ، خير من كفار من تقدمكم من الأمم الذين أهلكوا بسبب الكفر ، فكيف تطمعون في السلامة من العذاب ، وأنتم شر منهم ؟ قال ابن عباس : يقول : ليس كفاركم خيرا من قوم نوح ، وقوم لوط ، وقيل : من قوم عاد وثمود ، وفرعون وقومه ، ثم أضرب سبحانه عن ذلك ، وانتقل إلى تبكيتهم بوجه آخر ، هو أشد من التبكيت بالوجه الأول فقال :
أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ
هي الكتب المنزلة على الأنبياء ، والمعنى إنكار أن تكون لهم براءة من عذاب اللّه ، في شيء من كتب الأنبياء ، ثم أضرب عن هذا التبكيت ، وانتقل إلى التبكيت لهم بوجه آخر فقال :
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ
أي جماعة لا نطاق لكثرة عددنا وقوتنا ، أو أمرنا مجتمع لا نغلب ، وأفرد منتصر اعتبارا بلفظ جميع وموافقة لرؤوس الآي ، أو المعنى نحن كل واحد منا منتصر قال