فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
ولعل وجه تكرير تيسير القرآن بالذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منّة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها ، ولأن في كل قصة إشهارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب ، واستماع كل قصة مستدع للإدكار والاتعاظ ، وهذا حكم التكرير في قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن : 13 ] عند كل نعمة عدها ، وقوله :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
[ المرسلات : 15 ] عند كل آية أوردها ، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبرة حاضرة للقلوب مصورة للأذهان ، مذكورة غير منسية في كل أوان .
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
جمع نذير أو مصدر بمعنى الإنذار كما تقدم ، وهي الآيات التسع التي أنذرهم بها موسى ، وهذا أولى ، لقوله :
كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها
فإنه بيان لذلك ، والمراد بها الآيات التسع التي تقدم ذكرها ، وقيل : النذر موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء
فَأَخَذْناهُمْ
بالعذاب
أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ
أي أخذ غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء ، ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال :
[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 43 إلى 55 ]
أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 ) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ( 46 ) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 47 )
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ( 48 ) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 ) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 )
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 )
أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ
الاستفهام للإنكار ، والمعنى النفي ، أي ليس كفاركم يا أهل مكة ، أو يا معشر العرب ، خير من كفار من تقدمكم من الأمم الذين أهلكوا بسبب الكفر ، فكيف تطمعون في السلامة من العذاب ، وأنتم شر منهم ؟ قال ابن عباس : يقول : ليس كفاركم خيرا من قوم نوح ، وقوم لوط ، وقيل : من قوم عاد وثمود ، وفرعون وقومه ، ثم أضرب سبحانه عن ذلك ، وانتقل إلى تبكيتهم بوجه آخر ، هو أشد من التبكيت بالوجه الأول فقال :
أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ
هي الكتب المنزلة على الأنبياء ، والمعنى إنكار أن تكون لهم براءة من عذاب اللّه ، في شيء من كتب الأنبياء ،
ثم أضرب عن هذا التبكيت ، وانتقل إلى التبكيت لهم بوجه آخر فقال :
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ
أي جماعة لا نطاق لكثرة عددنا وقوتنا ، أو أمرنا مجتمع لا نغلب ، وأفرد منتصر اعتبارا بلفظ جميع وموافقة لرؤوس الآي ، أو المعنى نحن كل واحد منا منتصر قال