يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ
أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون أو يوم يسحبون يقال لهم :
ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ
أي : قاسوا حرّها ، وشدة عذابها كقولهم : وجد مس الحمى ، وذاق طعم الضرب ، قال الكرخي : إن مس سقر مجاز عن إصابتها بعلاقة السببية والظاهرة من تقرير الكشاف أنه من الاستعارة بالكناية ، وسقر علم لجهنم غير منصرف للتأنيث والتعريف من سقرته النار إذا لوحته ، أخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن « أبي هريرة قال : « جاء مشركو قريش إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخاصمونه في القدر فنزلت
يَوْمَ يُسْحَبُونَ
الخ » « 1 » .
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
أي : كل شيء من الأشياء خلقه اللّه سبحانه متلبسا بقدر قدره ، وقضاء قضاه ، سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه ، والقدر التقدير ، والعامة على نصب كل بالاشتغال ، وقرىء بالرفع وقد رجح الناس النصب بل أوجبه بعضهم ، قال : لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة ، وقال أبو البقاء :
وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق ، والرفع لا يدل على عمومه . بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر ، وإنما دل نصب كل على العموم ، لأن التقدير : إنا خلقنا كل شيء بقدر ، فخلقناه تأكيد ، وتفسير لخلقنا المضمر الناصب لكل شيء فهذا لفظ عام يعم جميع المخلوقات ، وللسمين هنا كلام مبسوط لا نطول بذكره .
أخرج مسلم : عن « ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل شيء بقدر حتى العجز والكيس » « 2 » ، وعن « عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : كتب اللّه مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة » « 3 » . أخرجه مسلم .
وعن جابر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يؤمر أحدكم حتى يؤمن بالقدر » ( 4 ) ، أخرجه الترمذي واستغربه وفي الباب أحاديث بين صحيح منها وضعيف ، قال الخطابي : وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار اللّه العبد ، وقهره على ما قدره وقضاه ، وليس الأمر كما يتوهمونه وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم اللّه تعالى بما يكون من أكساب العباد ، وصدورها عن تقدير منه ، وخلق لها خيرها وشرها ؛ والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر ، يقال قدرت الشيء وقدرته
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 19 ، والترمذي في القدر باب 19 ، وتفسير سورة 54 ، باب 6 ، والنسائي في الضحايا باب 40 ، وابن ماجة في المقدمة باب 10 ، وأحمد في المسند 2 / 444 ، 476 .
( 2 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 18 ، ومالك في القدر حديث 4 ، وأحمد في المسند 2 / 110 .
( 3 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 16 .