تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
[ فصلت : 12 ] أي خلقهن . قال النووي : إن مذهب أهل الحق إثبات القدر ، ومعناه أن اللّه تعالى قدر الأشياء في القدم ، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه على صفات مخصوصة ، فهي تقع على حسب ما قدرها اللّه ، وأنكرت القدرية هذا ، وزعمت أنه سبحانه لم يقدرها ، ولم يتقدم علمه بها ، وأنها مستأنفة العلم ، أي إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها ، وكذبوا على اللّه سبحانه وتعالى عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا انتهى . وقد تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، وأهل العقد والحل من السلف والخلف ، على إثبات قدر اللّه سبحانه وتعالى ، وقد قرر ذلك أئمة السنة أحسن تقرير ، بدلائله القطعية ، السمعية والعقلية ، ليس هذا موضع بسطه ، واللّه تعالى أعلم .
وَما أَمْرُنا
لشيء نريد وجوده
إِلَّا واحِدَةٌ
أي إلا مرة واحدة ، أو فعلة واحدة ، وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة ، أو كلمة واحدة ، وهي قوله :
كُنْ فَيَكُونُ
[ البقرة : 117 ] ، فهنا بان الفرق بين الإرادة والقول ، فالإرادة قدر والقول قضاء ، وقيل : المراد بالأمر القيامة
كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
في سرعته ، واللمح النظر على العجلة والسرعة ، وفي الصحاح : لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف ، والاسم اللمحة ، أي فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه ، فكذلك الأفعال كلها عندنا ، بل أيسر ، قال الكلبي : وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر .
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ
أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم ، وقيل أتباعكم وأعوانكم ، والقدرة عليكم كالقدرة عليهم ، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم ، ولذلك تسبب عنه قوله :
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
يتذكر ويتعظ بالمواعظ ويعلم أن ذلك حق فيخاف العقوبة ، وأن يحل به ما حل بالأمم السالفة .
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
أي جميع ما فعلته الأمم من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ ، وقيل : في كتب الحفظة ودواوينهم
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
يقال : سطر يسطر سطرا كتب ، وأسطر مثله ، أي كل شيء من أعمال الخلق ، أقوالهم وأفعالهم وما هو كائن ، مسطور في اللوح المحفوظ صغيره وكبيره ، وجليله وحقيره ، قال ابن عمر ؛ مسطور في الكتاب ، ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال الأشقياء ، ذكر حال السعداء فقال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ
أريد به الجنس ، لمناسبة جمع الجنات ، وإنما أفرد في اللفظ لموافقة رؤوس الآي ، وبه قرأ الجمهور ، وهو يشمل أنهار الجنة من الماء