تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
كان في يوم الثلاثاء ونزول العذاب بهم كان في يوم السبت وقد مضى بيان هذا في سورة هود والأعراف .
فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
قرأ الجمهور بكسر الظاء ، والهشيم حطام الشجر ويابسه ، والمحتظر صاحب الحظيرة ، وهو الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها عن برد الريح ، يقال : احتظر على غنمه إذا جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض وقال في الصحاح : المحتظر الذي يعمل الحظيرة ، أي : من يابس الشجر والشوك ، يحفظ الغنم من السباع والذئاب ، والحظيرة زريبة الغنم ونحوها ، قاله الشهاب ، وقرىء بفتح الظاء أي : كهشيم الحظيرة فمن قرأ بالكسر أراد الفاعل للاحتظار ، ومن قرأ بالفتح أراد الحظيرة ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، ومعنى الآية : أنهم صاروا كالشجر إذا يبس في الحظيرة ، وداسته الغنم بعد سقوطه . وقال قتادة : هو العظام النخرة المحترقة ، وقال سعيد بن جبير : هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح ، وقال سفيان الثوري : هو ما يتناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصى ، قال ابن زيد : العرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما ، والمتهشم المتكسر ، والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان ، وتتوطأه البهائم فيحتطم وينهشم ، وقال ابن عباس : كحظائر من الشجر محترقة ، وكالعظام المحترقة ، وكالحشيش تأكله الغنم .
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
فائدة تكرير هذه الآية أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين إذكارا واتعاظا وأن يستأنفوا تيقظا وانتباها ، إذا سمعوا ، والحث على ذلك والبعث إليه ، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها ، لتكون تلك العبرة حاضرة للقلوب ، مصورة للأذهان ، مذكورة غير منسية في كل أوان ، ثم أخبر سبحانه عن قوم لوط بأنهم كذبوا رسل اللّه كما كذبهم غيرهم فقال :
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ
أي بالأمور المنذرة لهم على لسانه ، ثم بين سبحانه ما عذبهم به فقال :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً
أي ريحا ترميهم بالحصباء ، بالمد وهي الحصى ومنه المحصب وهو موضع بالحجاز ، قال أبو عبيدة : والنضر بن شميل : الحاصب الحجارة في الريح ، قال في الصحاح : الحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء والحصب بفتحتين ما تحصب به النار ، أي ترمي ، وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به ، وبابه ضرب ، وتذكيره مع كونه مسندا إلى ضمير الريح - وهي مؤنث - سماعي ، لكونها في تأويل العذاب ، وقوله تعالى :
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً
[ هود : 82 ] ، وكذا قوله :
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً
[ الذاريات : 33 ] ، يدلان على أن الذي أرسل عليهم نفس الحجارة لا الريح التي تحصبها إلا أنه قيل ههنا :
أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً