الكلبي : المعنى نحن جميع أمرنا ننتصر من أعدائنا ، ولا نرام ولا نضام ،
فرد اللّه سبحانه عليهم بقوله :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ
أي : جمع كفار مكة أو كفار العرب على العموم ؛ قرأ الجمهور بالتحتية مبنيا للمفعول ؛ وقرىء بالنون وكسر الزاي ونصب الجمع ، وقرىء بالتحتية مبنيا للفاعل ، وبالفوقية على الخطاب مبنيا للفاعل
وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
قرأ الجمهور بالتحتية ، وقرىء بالفوقية على الخطاب ، والمراد بالدبر الجنس ، وهو في معنى الإدبار ، وقيل : وحد لأجل رؤوس الآي ، وقيل : في الإفراد إشارة إلى أنهم في التولية والهزيمة كنفس واحدة فلا يتخلف أحد عن الهزيمة ، ولا يثبت أحد للزحف ، فهم في ذلك كرجل واحد وقد هزمهم اللّه يوم بدر وولوا الأدبار وقتل رؤوساء الشرك ، وأساطين الكفر فلله الحمد وهذه من علامات النبوة ، قال ابن عباس : كان ذلك يوم بدر ، قالوا : نحن جميع منتصر ، فنزلت هذه الآية .
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ
أي موعد عذابهم الأخروي بعد بدر ، وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر هو تمام ما وعدوا به من العذاب وإنما هو مقدمة من مقدماته ، وطليعة من طلائعه . ولهذا قال :
وَالسَّاعَةُ أَدْهى
أي وعذاب الساعة أعظم في الضر ، وأفظع وأشد من موقف بدر ، يقال : دهاه أمر كذا أي أصابه دهوا ودهيا ؛ والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدي لدوائه ، مأخوذ من الدهاء وهو النكر والفظاعة وإظهار الساعة في مقام إضمارها لزيادة تهويلها .
وَأَمَرُّ
أي أشد مرارة من عذاب الدنيا .
في البخاري وغيره . عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « وهو في قبة له يوم بدر :
أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا فأخذ أبو بكر بيده وقال : حسبك يا رسول اللّه ألححت على ربك ؛ فخرج وهو يثبت في الدرع ويقول :
سَيُهْزَمُ
إلى قوله :
أَدْهى وَأَمَرُّ »
« 1 » .
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ
أي المشركين
فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
أي : في ذهاب عن الحق وبعد عنه ، وفي نار تسعر عليهم ، وقيل ؛ في ضلال في الدنيا ، وفي نار مسعرة في الآخرة ، وقيل : في ضلال عن طريق الجنة ، وسعر أي عذاب الآخرة ، أو في هلاك ونيران في الآخرة ، وقد تقدم في هذه السورة تفسير سعر فلا نعيده .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 89 ، وتفسير سورة 54 ، باب 5 ، 6 ، وأحمد في المسند 1 / 329 .