تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
أمرهما ، بعد بيانهما ، فليس فيه شائبة تكرار كما قيل : وما قيل من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا والثاني لما يحيق بهم في الآخرة يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي .
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه وآكده ، حيث يدل على أنه لا يقدر أحد أن يجيب المستفهم بنعم ، لما ذكر سبحانه تكذيب عاد أتبعه ببيان تكذيب ثمود فقال :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ
جمع نذير ، أي كذبت بالرسل المرسلين ، أو مصدر بمعنى الإنذار أي كذبت بالإنذار الذي أنذروا به ، وإنما كان تكذيبهم لرسولهم وهو صالح تكذيبا للرسل ، لأن من كذب واحدا من الأنبياء فقد كذب سائرهم لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع .
فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ
الاستفهام للإنكار ، أي كيف نتبع بشرا كائنا من جنسنا منفردا وحده ؟ لا متابع له على ما يدعو إليه ؟ قرأ الجمهور بنصب بشرا على الاشتغال ، أي أنتبع بشرا واحدا منا ؟ وهو الراجح لنقدم أداة ، هي بالفعل أولى ، وقرىء بالرفع على الابتداء ، وواحد صفته ، ونتبعه خبره ؛ وقرىء برفع بشر ، ونصب واحد على الحال
إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ
أي إنا إذا اتبعناه لفي خطأ وذهاب عن الحق والصواب
وَسُعُرٍ
أي عذاب وعناء وشدة ، كذا قال الفراء وغيره ، وقال أبو عبيدة : وهو جمع سعير ، وهو لهب النار ، والسعر الجنون يذهب كذا وكذا لما يتلهب به من الحدة ، وقال مجاهد : سعر بعد عن الحق ، وقال السدي في احتراق ، وقيل : المراد به هنا الجنون من قولهم : ناقة مسعورة أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة ، وقال ابن عباس : في شقاء ثم كرروا الإنكار والاستبعاد فقالوا :
أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا
أي كيف خص من بيننا بالوحي والنبوة ؟ وفينا من هو أحق بذلك منه ، ثم اضربوا عن الإنكار ، وانتقلوا إلى الجزم بكونه كذابا أشرا فقالوا :
بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
الأشر المرح والنشاط ، أو البطر والتكبر ، وتفسيره بالبطر والتكبر أنسب بالمقام ، قرأ الجمهور أشر كفرح ، صفة مشبهة وعلى أنه أفعل التفضيل ، وقرىء بضم الشين وفتح الهمزة ، ثم أجاب سبحانه عليهم بقوله :
سَيَعْلَمُونَ غَداً
السين لتقريب مضمون الجملة وتأكيده ، والمراد بقوله غدا وقت نزول العذاب الذي حل بهم في الدنيا ، أو في يوم القيامة ، جريا على عادة الناس في التعبير بالغد عن المستقبل من الأمر ، وإن بعدكما في قولهم إن مع اليوم غدا ، والأول أولى ، قرأ الجمهور بالتحتية على أنه إخبار من اللّه سبحانه لصالح عن وقوع العذاب عليهم بعد مدة على سبيل الالتفات ، وقرىء بالتاء على أنه خطاب من صالح لقومه .
مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ
من استفهامية أي أيّ فريق هو الكذاب الأشر المتكبر البطر ، أهو هم ؟ أم صالح عليه السّلام .