تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
في آخر القصص الأربع ، تقريرا لمضمون ما سبق ، وتنبيها على أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الأدكار فيها ، كافية في الازدحار ، ومع ذلك لم تقع واحدة في حيز الاعتبار ، أي : وتاللّه لقد سهلنا القرآن لقومك ، بأن أنزلناه على لغتهم .
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
أي متعظ بمواعظه ، ومعتبر لعبره ، وطالب لحفظه ، فيعان عليه ، وقارىء يقرأه ، وطالب علم وخير ، وقال ابن عباس : هل من متذكر ؟ كرر هذا في هذه السورة للتنبيه والإفهام ، وقيل : إن اللّه تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم ، وقصص المرسلين ، وما عاملتهم به الأمم ، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين ، فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو تذكر ، وإنما كرر هذه الآية عند كل قصة بقوله : فهل من مدكر ؟ لأن هل كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم ، وجعلها حجة عليهم ، فاللام من هل للاستعراض ، والهاء للاستخراج ، وفي الآية الحث على درس القرآن ، والاستكثار من تلاوته ، والمسارعة في تعلمه .
كَذَّبَتْ عادٌ
هم قوم هود ، ولم يتعرض لكيفية تكذيبهم له مسارعة إلى بيان ما نزل بهم من العذاب ، ولم يقل : فكذبوا هودا كما قال في قصة نوح ، فكذبوا عبدنا ، لأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم ، وكثرة عنادهم ، وإما لأن قصة عاد ذكرت مختصرة
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
أي فهل سمعتم أو فاسمعوا كيف كان عذابي لهم ؟ وإنذاري إياهم ؟ ونذر مصدر بمعنى إنذار كما تقدم ، والاستفهام للتهويل والتعظيم ، والغرض بهذا توجيه قلوب السامعين نحو الإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره .
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً
هذه الجملة مستأنفة مبينة لما أجمله سابقا من العذاب ، والصرصر شدة البرد ، أي : ريح شديدة البرد ، وقيل : الصرصر شدة الصوت ، وقد تقدم بيانه في حم السجدة . قال ابن عباس : ريحا صرصرا أي باردة
فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ
أي : دائم الشؤم إلى الأبد ، استمر عليهم بنحوسة ، واستمر فيه العذاب إلى الهلاك ، وقد كانوا يتشاءمون بذلك اليوم ، قال الزجاج : أي بيوم الأربعاء في آخر الشهر ، أي شهر شوال لثمان بقين منه ، واستمر إلى غروب الشمس ، قال الخطيب : وقد قال في سورة الحاقة :
سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
[ الحاقة : 7 ] ، وفي حم السجدة
فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ
[ فصلت : 16 ] ، فالمراد باليوم هنا الوقت والزمان انتهى . قال الضحاك : كان ذلك اليوم مرا عليهم ، وكذا حكى الكسائي عن قوم أنهم قالوا : هو من المرارة كالشئ المر ، تكرهه النفوس ، وقيل : هو من المرة بمعنى القوة ، أي في يوم قوي الشؤم مستحكمه . كالشئ المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه ، والظاهر أنه من الاستمرار لا من المرارة ، ولا من المرة أي دام عليهم العذاب فيه حتى
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 481 | صديق الحسيني القنوجي البخاري