قبل إبراهيم وموسى يؤخذ الرجل بجريرة غيره ، فأول من خالفهم إبراهيم
ثم بين سبحانه ما في صحفهما فقال :
أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى ، ومعناه لا تؤخذ نفس بذنب غيرها . قال ابن عباس : كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره ، كان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده ، حتى كان إبراهيم ، فنهاهم عن ذلك ، وبلغهم عن اللّه تعالى ألا تزر الخ ، وقد مضى تفسير هذه الآية في سورة الأنعام .
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
وهذا أيضا من جملة ما في صحف موسى وإبراهيم ، والمعنى ليس له إلا أجر سعيه ، وجزاء عمله ، ولا ينفع أحدا عمل أحد ، وهذا العموم مخصوص بمثل قوله سبحانه :
أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
[ الطور : 21 ] ، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد ، ومشروعية دعاء الأحياء للأموات ، ونحو ذلك ، ولم يصب من قال : إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور ، فإن الخاص لا ينسخ العام ، بل يخصصه ، فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه ، كان مخصصا لما في هذه الآية من العموم ، وتعقب أيضا بأنها خبر ، ولا نسخ في الأخبار ، وبأنها على ظاهرها والدعاء من الولد دعاء من الوالد من حيث اكتسابه للولد ، وبأنها مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى ، لأنها حكاية لما في صحفهم ، وأما هذه الأمة فلها ما سعت هي وما سعى لها غيرها ، لما صح أن لكل نبي وصالح شفاعة ، وهو انتفاع بعمل الغير ، ولغير ذلك .
ومن تأمل النصوص وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى فلا يجوز أن تؤول الآية على خلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة . وحينئذ فالظاهر ما قلنا إن الآية عامة قد خصصت بأمور كثيرة ، قال ابن عباس في الآية : فأنزل اللّه بعد ذلك :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ
[ الطور : 21 ] الآية ، فأدخل اللّه الأبناء الجنة بصلاح الآباء ، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية استرجع واستكان ، وقيل : أراد بالإنسان الكافر ، والمعنى ليس له من الخير إلا ما عمل هو ، فيثاب عليه في الدنيا ، بأن يوسع عليه في رزقه ، ويعافى في بدنه . حتى لا يبقى له في الآخرة خير ، وقيل : هو من باب العدل ، وأما من باب الفضل فجائز أن يزيده اللّه ما يشاء من فضله وكرمه ، وقيل : هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة ، وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم .
قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه اللّه : من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع ، وذلك باطل من وجوه كثيرة :
أحدها : أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره ، وهو انتفاع بعمل الغير .
ثانيها : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشفع لأهل الموقف في الحساب ، ثم لأهل الجنة في دخولها .