تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
وأبكى من شاء بأن غمه . وهذا على أن كلّا من الفعلين حذف مفعوله ، وقال سهل بن عبد اللّه : أضحك المطيعين بالرحمة ، وأبكى العاصين بالسخط ، وقيل : أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب ، وأبكاهم في الدنيا بالنوائب ، وقيل : خلق الفرح والحزن ، وقيل : إن الفعلين من الأفعال اللازمة كقوله : اللّه يحيي ويميت ، وهذا يدل على أن ما يعمل الإنسان فبقضائه وخلقه ، حتى الضحك والبكاء .
وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
أي : قضى أسباب الموت والحياة ، ولا يقدر على ذلك غيره ، وقيل : خلق نفس الموت والحياة ، كما في قوله :
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
[ الملك : 2 ] ، وقيل أمات الآباء وأحيا الأبناء ، وقيل : أمات في الدنيا وأحيا للبعث ، وقيل : المراد بهما النوم واليقظة ، وقال عطاء : أمات بعدله ، وأحيا بفضله ، وقيل : أمات الكافر ، وأحيا المؤمن ، كما في قوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] .
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ
الصنفين
الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
من كل حيوان وهذا أيضا من جملة المتضادات الواردة على النطفة ، فبعضها يخلق ذكرا وبعضها يخلق أنثى ، ولا يصل إليه فهم العقلاء ، ولا يعلمونه ، وإنما هو بقدرة اللّه لا بفعل الطبيعة ، وفيه رد على الطبائعيين القائلين بالبرد والرطوبة في الأنثى فرب امرأة أحر وأيبس مزاجا من الرجل
مِنْ نُطْفَةٍ
مني ، ولا يدخل في ذلك آدم وحواء ، فإنهما لم يخلقا من النطفة ، والنطفة الماء القليل
إِذا تُمْنى
أي : تصب في الرحم ، وتدفق فيه ، كذا قال الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح وغيرهم يقال : منى الرجل يمني ، وأمنى أي : صب المني ، وقال أبو عبيدة : إذا تمنى إذا تقدر ، يقال : منيت الشيء إذا قدرته ومنى له إذا قدر له .
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى
أي إعادة الأرواح إلى الأجسام عند البعث ، وفاء بوعده . فإنه قال : إنا نحن نحيي ونميت لا بحكم العقل ولا الشرع قرىء النشأة بالقصر بوزن الضربة ، وبالمد بوزن الكفالة ، سبعيتان وهما على القراءتين مصدران
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى
أي أغنى من شاء ، وأفقر من شاء ، ومثله قوله :
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
[ الرعد : 26 ] ، وقوله :
يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ
[ البقرة : 245 ] قاله ابن زيد ، واختاره ابن جرير وقال مجاهد وقتادة والحسن : أغنى مول ، وأقنى أخدم وقيل معنى أقنى : أعطى القنية وهي ما يتأثل من الأموال ، أي : أصول الأموال ، وما يدخرونه بعد الكفاية . وقيل : معنى أقنى أرضى بما أعطى أي أغناه . ثم أرضاه بما أعطاه ، قال الجوهري : قنى الرجل يقني مثل غنى يغني ، ثم يتعدى بتغيير الحركة فيقال : قنيت له مالا كسبته ، وهو نظير شترت عينه بالكسر ، وشترها اللّه بالفتح ، فإذا دخلت عليه