تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
وشرط العدالة اجتناب الكبائر ، والإصرار على صغيرة قال في تحفة المحتاج : قبل : عطف الإصرار من عطف الخاص على العام . وفيه نظر ، لأن الإصرار لا يصير الصغيرة كبيرة حقيقة : وإنما يلحقها في الحكم ولا ينافي هذا قول كثيرين كابن عباس ، ونسب للمحققين كالأشعري . وابن فورك ، والإسناد أبي إسحاق اه . وفي الزواجر عن اقتراف الكبائر نقلا عن الرافعي : أما الصغائر فلا يشترط تجنبها بالكلية ، لكن الشرط أن لا يصر عليها ، فإن أصر كان الإصرار كارتكاب الكبيرة انتهى ، والحاصل أن المعتمد وفاقا لكثير من المتأخرين كالأذرعي والبلقيني والزركشي وابن العماد وغيرهم أنهم لا تضر المداومة على نوع من الصغائر . ولا على أنواع ، سواء كان مقيما على الصغيرة أو الصغائر أو مكثرا من فعل ذلك ، حيث غلب الطاعات المعاصي ، وإلا ضر ، ثم رأيت ابن العماد قال ما نقله الإسنوي عن الرافعي : من أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة ليس كذلك ، ولم يذكر الرافعي هذه العبارة ، قال البلقيني : المراد عدم غلبة الصغائر على الطاعة ، وفسر القاضيان الماوردي والطبري الإصرار في قوله تعالى :
وَلَمْ يُصِرُّوا
[ آل عمران : 135 ] بأن لم يعزموا على أن لا يعودوا إليه ، وقضيته حصول الإصرار بالعزم على العود ، بترك العزم على عدم العود ، ويوافقه قول ابن الصلاح : الإصرار التلبس بضد التوبة ، باستمرار العزم على المعاودة ، واستدامة الفعل بحيث يدخل به في حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرة ، وليس لزمن ذلك وعدده حصر . وقال ابن عبد السّلام : الإصرار أن تتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بدينه ، إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك ، وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر انتهى . والصواب في هذا الباب ما ذكره القاضي محمد بن علي الشوكاني رحمه اللّه في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ، ونصه : قد قيل : إن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة ، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به ، وإنما هي مقالة لبعض الصوفية ، فإنه قال : لا صغيرة مع الإصرار ، وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ ، وجعله حديثا ، ولا يصح ذلك ، بل الحق أن الإصرار حكمه حكم ما أصر عليه ، والإصرار على الصغيرة صغيرة ، والإصرار على الكبيرة كبيرة انتهى . ويفهم من ذلك أيضا أن الإصرار على الكبيرة ليس كفرا ، ثم التوبة عن الكبيرة وإن كانت واجبة عينا فورا بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، لكن قد يغفرها اللّه تعالى من غير توبة أيضا ، كما دلت عليه السنة المطهرة واختاره محققو أهل الحديث ، ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه بأحوال عباده فقال :