تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ
أي : بأحوالكم ، وتفاصيل أموركم
إِذْ
حين
أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
أي : خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم ، وحين ما صوركم في الأرحام ، وقيل : المراد آدم فإنه خلقه من طين
وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ
أي هو أعلم بأحوالكم وقت كونكم أجنة ، وهي جمع جنين ، وهو الولد ما دام في البطن ، سمي ذلك لاجتنابه ، أي لاستتاره في بطن أمه ، ولهذا قال :
فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
فلا يسمى من خرج عن البطن جنينا ، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها . وعن ثابت بن الحارث الأنصاري قال : « كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا : هو صديق ، فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : كذبت يهود ، ما من نسمة يخلقها في بطن أمها إلا أنه شقي أو سعيد ، فأنزل اللّه عند ذلك هذه الآية » أخرجه الطبراني وغيره .
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
أي لا تمدحوها ، ولا تثنوا عليها خيرا ، ولا تنسبوها إلى زكاء العمل ، وزيادة الخير والطاعات ، وحسن الأعمال ، واهضموها فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء ، وأقرب إلى الخشوع ، قال ابن عباس : لا تمدحوها ، وقال الحسن : علم اللّه من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة فلا تبرؤوها من الآثام ، ولا تمدحوها بحسن الأعمال ، وقيل لا تزكوها رياء ، وخيلاء ، ولا تقولوا لمن لم تعرفوا حقيقته أنا خير منك ، وأنا أزكى منك ، أو أتقى منك ، فإن العلم عند اللّه ، وفيه إشارة إلى وجوب خوف العاقبة فإن اللّه يعلم عاقبة من هو على التقوى . وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تزكوا أنفسكم ، اللّه أعلم بأهل البر منكم سموها زينب » . وقال المحلي في الآية : وهذا النهي على سبيل الإعجاب ، وأما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن ، ولذا قيل : المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكر ، لقوله تعالى :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
« 1 » .
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
مستأنفة مقررة للنهي ، أي فإنه يعلم المتقي منكم وغيره قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم ، فمن جاهد نفسه ، وخلصت منه التقوى فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين ، فكيف بمن صارت له التقوى وصفا ثابتا ، وهو الذي ينتفع بها ويثاب عليها ، وقيل : نزلت في ناس كانوا يعملون أعمالا حسنة ؛ ثم يقولون : صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا ثم لما بين اللّه سبحانه وتعالى جهالة المشركين على العموم ، خص بالذم بعضهم فقال :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى
عن الخير وأعرض عن اتباع الحق
وَأَعْطى قَلِيلًا
أي أعطى عطاء قليلا ؛ أو شيئا قليلا من المال المسمى .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الأدب حديث 19 ، وأبو داود في الأدب باب 62 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 462 | صديق الحسيني القنوجي البخاري