إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى
فإن هذا تعليل للأمر بالإعراض ، والمعنى أنه سبحانه وتعالى أعلم بمن حاد عن الحق وأعرض عنه ولم يهتد إليه وأعلم بمن اهتدى فقبل الحق ، وأقبل إليه وعمل به فهو مجاز كل عامل بعمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر وفيه تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإرشاد له بأنه لا يتعب نفسه في دعوة من أصر على الضلالة وسبقت له الشقاوة ، فإن اللّه قد علم حال هذا الفريق الضال ، كما علم حال الفريق الراشد وتكرير قوله هو أعلم لزيادة التقرير وللإيذان بكمال تباين المعلومين ثم أخبر سبحانه عن سعة قدرته وعظيم ملكه فقال :
[ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 31 إلى 42 ]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 31 ) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ( 32 ) أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ( 33 ) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى ( 34 ) أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ( 35 )
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ( 36 ) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 )
ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ( 41 ) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 )
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي هو المالك لذلك والمتصرف فيه لا يشاركه فيه أحد
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا
من الشرك وغيره اللام متعلقة بما دل عليه الكلام ، كأنه قال : هو مالك ذلك يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، ليجزي المسئ بإساءته والمحسن بإحسانه ، وقيل : إن قوله
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ
الخ جملة معترضة ، والمعنى : هو أعلم بمن ضل ، وهو أعلم بمن اهتدى ، ليجزي ، وقيل : هي لام العاقبة لا التعليل ، أي : وعاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسئ أن يجزي اللّه كلا منهما بعمله ، وبه صرح الواحدي والزمخشري ، وقال مكي : إن اللام متعلقة بقوله لا تغني شفاعتهم وهو بعيد من حيث اللفظ ومن حيث المعنى قرىء ليجزي بالتحتية وبالنون .
وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا
بالتوحيد وغيره من الطاعات
بِالْحُسْنَى
أي :
بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب أعمالهم الحسنى ، وتكرير الفعل لإبراز كمال الاعتناء بأمر الجزاء ، وللتنبيه على تباين الجزائين ،
ثم وصف هؤلاء المحسنين فقال :
الَّذِينَ
أي : هم الذين
يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ
قرأ الكبائر على الجمع وكبير على الإفراد ، والكبائر كل ذنب توعد اللّه عليه بالنار أو ما عين له حدا أو ذم فاعله ذما شديدا ، ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل ، وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها :