تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
والحركة ، قال أهل اللغة . مار الشيء يمور مورا إذا تحرك ودار ، وجاء وذهب ، قاله الأخفش وأبو عبيدة ، وقال ابن عباس : تحرك ، وقال الضحاك : يموج بعضها في بعض ، وقال مجاهد : تدور دورا وقيل : تجري جريا ، وقيل : تتكفأ قاله الأخفش ، قال البغوي : والمور يجمع هذه المعاني ، إذ هو في اللغة الذهاب والمجيء ، والتردد والدوران ، والاضطراب ، ويطلق المور على الموج ، ومنه ناقة موارة اليد ، أي سريعة تموج في مشيها موجا ، ومعنى الآية أن العذاب يقع بالعصاة ، ولا يدفعه عنهم دافع في هذا اليوم الذي تكون فيه السماء هكذا ، وهو يوم القيامة ، وقيل : إن السماء ههنا الفلك ، . وموره اضطراب نظمه ، واختلاف سيره .
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً
أي تزول عن أماكنها ، وتسير عن مواضعها كسير السحاب ، وتطير في الهواء ، ثم تقع على الأرض مفتتة كالرمل ثم تصير كالعهن أي الصوف المندوف ، ثم تطيرها الرياح فتكون هباء منبثا ، كما دل عليه كلامه في سورة النمل ، قيل : ووجه تأكيد الفعلين بالمصدر الدلالة على غرابتها وخروجهما عن المعهود ، والحكمة في مور السماء ، وسير الجبال والإعلام والإنذار بأن لا رجوع ولا عود إلى الدنيا لخرابها وعمارة الآخرة ، وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة الكهف .
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
ويل كلمة عذاب ، يقال للهالك ، واسم واد في جهنم ، وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة أي : إذا وقع ما ذكر من مور السماء وسير الجبال فويل لهم أي شدة عذاب ، ثم وصف المكذبين بقوله :
الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ
أي : في تردد في الباطل واندفاع فيه يلهون ، لا يذكرون حسابا ، ولا يخافون عقابا ، والمعنى أنهم يخوضون في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالتكذيب والاستهزاء ، وقيل يخوضون في أسباب الدنيا ، ويعرضون عن الآخرة ، والخوض من المعاني الغالبة ، فإنه يصلح للخوض في كل شيء إلا أنه غلب في الخوض في الباطل ، كالإحضار فإنه عام في كل شيء ، ثم غلب استعماله في الإحضار للعذاب ، قال تعالى :
لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
[ الصافات : 57 ] ، ونظيره في الأسماء الغالبة ، دابة فإنها غلبت في ذوات الأربع ، والقوم غلب في الرجال أفاده الكرخي ، أخذا عن حواشي الكشاف .
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا
الدع الدفع بعنف وجفوة ، يقال ؛ دععته أدعه دعا أي : دفعته ، قال الراغب : أصله أن يقال للعاثر : دع دع ، وهذا بعيد من هذه اللفظة ، والمعنى : أنهم يدفعون إلى النار دفعا عنيفا شديدا ، قال مقاتل : تغل أيديهم إلى أعناقهم ، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعون إلى جهنم دفعا على وجوههم ، وقرىء يدعون مخففا من الدعاء ، أي يدعون إلى النار ، قال ابن عباس : يدعون يدفعون أي يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار ، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها :
هذِهِ النَّارُ الَّتِي
تشاهدونها هي النار التي
كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
في الدنيا .