تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
الإسلام زكريا نقلا عن الرازي ، فالآية محمولة على المؤمنين منهم ، ويدل عليه قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود ، وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون ، وقال مجاهد : إن المعنى إلا ليعرفوني قال الكلبي : وهذا قول حسن ، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده ، وروي عن مجاهد أنه قال المعنى إلا لآمرهم ، وأنهاهم ، ويدل عليه قوله :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ التوبة : 31 ] واختار هذا الزجاج . وقال زيد بن أسلم : هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة ، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة ، وخلق الأشياء للمعصية ، وقال الكلبي : المعنى إلا ليوحدون ، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء ، وأما الكافر فيوحده في الشدة دون النعمة ، كما في قوله :
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ لقمان : 32 ] ، وقال جماعة : إلا ليخضعوا لي ويتذللوا ، ومعنى العبادة في اللغة الذل والخضوع والانقياد ، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء اللّه متذلل لمشيئته ، منقاد لما قدره عليه ، خلقهم على ما أراد ، ورزقهم كما قضى لا يملك أحد منهم لنفسه نفعا ولا ضرا ، ووجه تقديم الجن على الإنس ههنا تقدم وجودهم ، قال ابن عباس في الآية : ليقروا بالعبودية طوعا أو كرها ، وعنه قال : على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي ، وشقوتي وسعادتي ، وقيل : معنى
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
إلا مستعدين لأن يعبدوا بأن خلقت فيهم العقل والحواس والقدرة التي تتحصل بها العبادة ، وهذا لا ينافي تخلف العبادة بالفعل من بعضهم ؛ لأن هذا البعض ، وإن لم يعبد اللّه ، لكن فيه التهيؤ والاستعداد الذي هو الغاية بالحقيقة وهذا أحسن .
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
هذه الجملة فيها بيان استغنائه سبحانه عن عباده وأنه لا يريد منهم منفعة ، كما يريده السادة من عبيدهم ، بل هو الغني المطلق الرازق المعطي ، وقيل : المعنى ما أريد منهم أن يرزقوا أحدا من عبادي ، ولا أن يرزقوا أنفسهم ، لا يطعموا أحدا من خلقي . ولا يطعموا أنفسهم ، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال اللّه فمن أطعم عيال اللّه فهو كمن أطعمه . وهذا كما ورد في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يقول اللّه عبدي استطعمتك فلم تطعمن » « 1 » أي لم تطعم عبادي ، ومن زائدة لتوكيد العموم ، ثم بيّن سبحانه أنه هو الرازق لا غيره فقال :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ
لا رازق سواه ؛ ولا معطي غيره ، فهو الذي يرزق مخلوقاته ، ويقوم بما يصلحهم ، فلا يشتغلوا بغير ما خلقوا له من العبادة هذا تعليل لعدم إرادة الرزق منهم
ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
تعليل لعدم احتياجه إلى استخدامهم في
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 43 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 426 | صديق الحسيني القنوجي البخاري