تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
ينفع إلا مع العمل ، كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان ، وأنه لا يفوز ولا ينجو عند اللّه إلا الجامع بينهما .
كَذلِكَ
أي الأمر والشأن والقصة كذلك ، والكاف بمعنى مثل ، ثم فصل ما أجمله بقوله :
ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
في هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببيان أن هذا شأن الأمم المتقدمة ، وأن ما وقع من العرب من التكذيب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووصفه بالسحر والجنون قد كان ممن قبلهم لرسلهم
أَ تَواصَوْا بِهِ
الاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب من حالهم أي : هل أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطؤوا عليه حتى قالوه جميعا متفقين عليه ؟ أو الاستفهام للنفي ، أي : ما وقع منهم وصية بذلك لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد
بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
إضراب عن التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان ، أي لم يتواصوا بذلك بل جمعهم الطغيان ، وهو مجاوزة الحد في الكفر ، فهو إضراب انتقالي . ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالإعراض عنهم فقال :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
أي : أعرض عنهم وكف عن جدالهم ودعائهم إلى الحق ، فقد فعلت ما أمرك اللّه به وبلغت رسالته ، وكررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإصرار والعناد
فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
عند اللّه على الإعراض بعد هذا الإنذار لأنك قد أديت ما عليك وما قصرت فيما أمرت به ، وبذلت المجهود في البلاغ ، وهذا منسوخ بآية السيف ، أو بقوله الآتي وذكر الآية قال ابن عباس : أمره اللّه أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولما أمره بالإعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير والموعظة بالتي هي أحسن فقال :
وَذَكِّرْ
أي جميعهم
فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
أي من قدر اللّه إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة ، قال الكلبي : المعنى عظ بالقرآن من آمن من قومك ، فإن الذكرى تنفعهم ، وقال مقاتل : عظ كفار مكة ، فإن الذكرى تنفع من كان في علم اللّه أنه يؤمن ، وقيل ذكرهم بالعقوبة وأيام اللّه وخص المؤمنين بالتذكير لأنهم المنتفعون به .
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
مستأنفة مقررة لما قبلها لأن كون خلقهم لمجرد العبادة مما ينشط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للتذكير ، وينشطهم للإجابة ، قيل : هذا خاص فيمن سبق بعلم اللّه أنه يعبده ، فهو عموم مراد به الخصوص ، قال الواحدي : قال المفسرون هذا خاص لأهل طاعته ، يعني من أهل الفريقين ، قال : وهذا قول الكلبي والضحاك ، واختيار الفراء وابن قتيبة . قال القشيري : والآية دخلها التخصيص بالقطع ، لأن المجانين والصبيان لم يؤمروا بالعبادة ، ولا أرادها منهم ، وقد قال :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[ الأعراف : 179 ] ، ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة ، قاله شيخ