تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
بها فهو المستحق لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها ، وأشرف وأفضل فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر بالأنساب فإن ذلك لا يوجب كرما ، ولا يثبت شرفا ، ولا يقتضي فضلا ، قرأ الجمهور بكسر إن وقرىء بفتحها أي لأن أكرمكم . عن أبي هريرة قال : « سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أي الناس أكرم ؟ قال : أكرمهم عند اللّه اتقاهم ، قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : فأكرم الناس يوسف نبي اللّه ابن نبي اللّه ابن نبي اللّه ابن خليل اللّه قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : فعن معادن العرب تسألوني ؟ قالوا : نعم ، قال : خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا » « 1 » أخرجه البخاري وغيره ، وقال عمر بن الخطاب : أتقاكم للشرك ، وقد وردت أحاديث في الصحيح وغيره أن التقوى هي التي تتفاضل بها العباد .
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بكل معلوم ، ومن ذلك أعمالكم
خَبِيرٌ
بما تسرون وما تعلنون ، ولا تخفى عليه من ذلك خافية ، ولما ذكر سبحانه أن أكرم الناس عند اللّه أتقاهم له وكان أصل التقوى الإيمان ذكر ما كانت تقوله العرب من دعوى الإيمان ليثبت لهم الشرف والفضل فقال :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا
وهم بنو أسد ، قاله مجاهد ، وقيل هم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار ، والأول أولى ، وهم الذين أظهروا الإسلام في سنة مجدبة يريدون الصدقة ، فأمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرد عليهم فقال :
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
أي لم تصدقوا تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب ، وخلوص نية ، وطمأنينة
وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
أي استسلمنا خوف القتل والسبي ، أو للطمع في الصدقة ، وهذه صفة المنافقين لأنهم أسلموا في ظاهر الأمر ، ولم تؤمن قلوبهم ، ولهذا قال سبحانه .
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
أي لم يكن ما أظهرتموه بألسنتكم عن مواطأة قلوبكم ، بل مجرد قول باللسان من دون اعتقاد صحيح ، ولا نية خالصة ، وفي لما معنى التوقع ، وهذا تكرار ، لكنه مستقل بفائدة زائدة ، لأنه علم من الأول نفي الإيمان عنهم ، ومن الثاني نفيه مع توقع حصوله ، قال الزجاج : الإسلام إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبذلك يحقن الدم ، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن ، وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله :
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] ، أي : لم تصدقوا ، وإنما أسلمتم تعوذا من القتل ، وهذه الآية تنقض على الكرامية مذهبهم أن الإيمان لا يكون بالقلب ولكن باللسان .
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
طاعة صحيحة ، صادرة عن نيات خالصة وقلوب مصدقة
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 14 ، 19 ، وتفسير سورة 12 ، باب 2 ، ومسلم في الفضائل حديث 168 ، وأحمد في المسند 2 / 431 .