تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
عرضه ، وفي هذا من التنفير عن الغيبة والتقبيح لها والتوبيخ لفاعلها والتشنيع عليه ما لا يخفى ، فإن لحم الإنسان مما تنفر عنه الطباع الإنسانية ، وتستكرهه الجبلة البشرية فضلا عن كونه محرما شرعا ، وفيه مبالغات ، منها الاستفهام الذي معناه التقرير ، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة ، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم للتعميم ، والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك ، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخا ، ومنها أنه لم يقتصر على لحم الأخ حتى جعله ميتا ، فهذا تمثيل على أفحش وجه .
فَكَرِهْتُمُوهُ
أي فاغتيابه في حياته تأكل لحمه بعد مماته ، فالكلام من باب الاستعارة التمثيلية ، وفي هذا التمثيل والتشبيه إشارة إلى أن عرض الانسان كدمه ولحمه ، لأن الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض ، كما يتألم جسمه من قطع اللحم وهذا من باب القياس الظاهر ، لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه ، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الإنسان ، لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى ، لأن ذلك أشد ألما قال الفراء : تقديره فقد كرهتموه فلا تفعلوا ، والمعنى فلما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء ، أو المعنى فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا ، قال الرازي : الفاء في تقديره جواب كلام كأنه قال : لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه إذن ، وقال أبو البقاء : هو معطوف على محذوف تقديره عليكم ذلك فكرهتموه ، ولا يمكنكم إنكار كراهته ، وبه قال البيضاوي ، وقيل : إن صح ذلك عندكم فأنتم تكرهونه ، وقيل هو خبر بمعنى الأمر .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
بترك ما أمركم باجتنابه
إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ
لمن اتقاه وتاب عما فرط منه من الذنب ، ومخالفة الأمر ، والمبالغة في ( التواب ) للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده ، أو لأنه ما من ذنب يقترفه العبد إلا كان معفوا عنه بالتوبة ، أو لأنه لما بولغ في قبول التوبة نزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه .
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى
هما آدم وحواء ، والمقصود أنهم متساوون لاتصالهم بنسب واحد ، وكونهم يجمعهم أب واحد وأم واحدة ، وأنه لا موضع للتفاخر بينهم بالأنساب ، وقيل : المعنى أن كل واحد منكم من أب وأم ، فالكل سواء . عن ابن أبي مليكة قال : « لما كان يوم الفتح رقى بلال فأذن على الكعبة ، فقال بعض الناس : أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة ؟ وقال بعضهم : إن سخط اللّه هذا يغيره ، فنزلت هذه الآية » أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل . وعن الزهري قال : « أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم ، فقالوا : يا رسول اللّه أنزوج بناتنا موالينا ؟ فنزلت هذه الآية » أخرجه أبو داود في