أتى ابن مسعود فقيل هذا فلان يقطر لحيته خمرا ، فقال ابن مسعود إنا قد نهينا عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذه قال مجاهد : خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره اللّه .
وعن عقبة بن عامر « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤودة » « 1 » أخرجه أبو داود .
وعن أبي هريرة « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره اللّه يوم القيامة » « 2 » رواه مسلم .
وفي كتاب أبي داود عن معاوية قال : « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم ، أو كدت أن تفسدهم » ، فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فنفعه اللّه بها « 3 » . وقد وردت أحاديث في النهي عن تتبع عورات المسلمين والتجسس عن عيوبهم .
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
أي لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوءه ، يقال اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه والاسم الغيبة ، وهي ذكر العيب بظهر الغيب يعني : أن تذكر الرجل بما يكرهه .
كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح لمسلم « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره ، فقيل :
أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ فقال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهّته » « 4 » قال : ابن عباس : حرم اللّه أن يغتاب المؤمن بشيء كما حرم الميتة والأحاديث في تحريم الغيبة كثيرة جدا معروفة في كتب الحديث ، قال الحسن : الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب اللّه تعالى ، الغيبة ، والافك ، والبهتان ، فأما الغيبة : فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه ، وأما الإفك : فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه ، وأما البهتان :
فهو أن تقول ما ليس فيه ، ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر ، وأن على من اغتاب أحدا التوبة إلى اللّه أو الاستغفار لمن اغتابه أو الاستحلال منه ، وللشوكاني رسالة في ذلك ، سماها : رفع الريبة عن مسألة الغيبة ، وهي نفيسة جدا .
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
مثل سبحانه الغيبة بأكل الميتة لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه ، كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه ، ذكر معناه الزجاج ، وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه وأنه كما يحرم أكل لحمه تحرم الاستطالة في
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 38 .
( 2 ) أخرجه مسلم في البر حديث 71 ، وأحمد في المسند 6 / 145 ، 160 .
( 3 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 37 .
( 4 ) أخرجه مسلم في البر حديث 70 .