تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
المدعو به كراهة لكونه تقصيرا به ، فأما ما يحبه فلا بأس به ، ومنه الألقاب التي صارت كالأعلام لأصحابها نحو الأخفش والأعمش وما أشبه ذلك قال القرطبي : إنه يستثنى من هذا من غلب عليه الاستعمال ، كالأعرج والأحدب ؛ ولم يكن له سبب يجد في نفسه منه عليه فجوزته الأئمة واتفق أهل اللغة على قوله انتهى ، وأما الألقاب التي تكسب حمدا أو مدحا وتكون حقا وصدقا فلا تكره ، كما قيل لأبي بكر عتيق ولعمر الفاروق ولعثمان ذو النورين ولعلي أبو تراب ، ولخالد سيف اللّه .
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ
أي بئس الاسم أن يذكر بالفسق ، والاسم هنا ليس المراد به ما يقابل اللقب والكنية ، ولا ما يقابل الفعل والحرف ، بل المراد به الذكر المرتفع لأنه من السمو من قولهم : طار اسمه في الناس بالمكرم أو باللؤم ، وحقيقة ما سماه من ذكره وارتفع بين الناس ، كأنه قيل : بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق
بَعْدَ
دخولهم في
الْإِيمانِ
استقباح للجمع بين الإيمان والفسق الذي يحظره الإيمان ، كما تقول : بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة ، قال ابن زيد : أي لفسق أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه وتوبته ، وقيل إن من فعل ما نهى عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق .
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ
عما نهى اللّه عنه
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
لارتكابهم ما نهى اللّه عنه ، وامتناعهم من التوبة ، وظلموا من لقبوه ، وظلموا أنفسهم بما لزمها من الإثم .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
يقال : جنبه الشر إذا أبعده عنه ، وحقيقته جعله في جانب ، فيعدى إلى مفعولين ، قال تعالى :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
[ إبراهيم : 35 ] ومطاوعه اجتنب الشر فنقص مفعولا ، والظن هنا مجرد التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم غيره بشيء من الفواحش ، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك ، وأمر سبحانه باجتناب الكثير وأبهم ، ليفحص المؤمن عن كل ظن بظنه حتى يعلم وجهه ، لأن من الظن ما يجب اتباعه ، فإن أكثر الأحكام الشرعية مبنية على الظن ، كالقياس ، وخبر الواحد ، ودلالة العموم ولكن هذا الظن الذي يجب العمل به قد قوي بوجه من الوجوه الموجبة للعمل به ، فارتفع عن الشك والتهمة . قال الزجاج : وهو أن يظن بأهل الخير سوءا فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم ، قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان : هو أن يظن بأخيه المسلم سوءا ، ولا بأس به ما لم يتكلم به ، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه إثم ، وحكى القرطبي عن أكثر العلماء أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز ، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح . وجملة :
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من