تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
الظن ، وهذا البعض هو ظن السوء بأهل الخير ، والإثم هو ما يستحقه الظان من العقوبة ، ومما يدل على تقييد هذا الظن المأمور باجتنابه بظن السوء قوله تعالى :
وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً
[ الفتح : 12 ] فلا يدخل في الظن المأمور باجتنابه شيء من الظن المأمور باتباعه من مسائل الدين ، فإن اللّه قد تعبد عباده باتباعه ، وأوجب العمل به جمهور أهل العلم ، ولم ينكر ذلك إلا بعض طوائف المبتدعة ، كيادا للدين ، وشذوذا عن جمهور المسلمين ، وقد جاء التعبد بالظن في كثير من الشريعة المطهرة ، بل في أكثرها ، قال أبو السعود : من الظن ما يجب اتباعه كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات وحسن الظن باللّه تعالى ، ومنه ما حرم كالظن في الإلهيات والنبوات ، وحيث يخالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين ومنه ما يباح كالظن في الأمور المعاشية اه . وقيل : الظن أنواع فمنه واجب ومأمور به ، وهو الظن الحسن باللّه عز وجل ، ومنه مندوب إليه ، وهو الظن الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة ، ومنه حرام محظور ، وهو سوء الظن باللّه عز وجل ، وسوء الظن بالأخ المسلم ، قال ابن عباس في الآية : نهى اللّه المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءا . وعن أبي هريرة قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ، ولا تحسسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد اللّه إخوانا » « 1 » الحديث أخرجه الشيخان . ثم لما أمرهم اللّه سبحانه باجتناب كثير من الظن نهاهم عن التجسس فقال :
وَلا تَجَسَّسُوا
التجسس البحث عما ينكتم عنك عن عيوب المسلمين وعوراتهم ، نهاهم اللّه سبحانه عن البحث عن معائب الناس ومثالبهم ، حتى يطلع عليها بعد أن سترها اللّه تعالى ، وقرأ الجمهور بالجيم ، ومعناه ما ذكرنا وقرىء بالحاء قال الأخفش : ليس يبعد أحدهما عن الآخر ، لأن التجسس بالجيم هو البحث عما ينكتم عنك ، والتحسس بالحاء طلب الإخبار والبحث عنها ، وقيل ؛ إن التجسس بالجيم هو البحث ، ومنه قيل : رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور ، وبالحاء ما أدركه الإنسان ببعض حواسه ، وقيل : إنه بالحاء فيما يطلبه الإنسان لنفسه ، وبالجيم أن يكون رسولا لغيره ، قاله ثعلب والأول أعرف . يقال : تحسست الأخبار وتجسستها أي : تفحصت عنها . قال ابن عباس : نهى اللّه المؤمنين عن تتبع عورات المؤمن وعن زيد بن وهب قال :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 45 ، والفرائض باب 2 ، والأدب باب 57 ، 58 ، ومسلم في البر حديث 28 ، 30 ، وأبو داود في الأدب باب 37 ، 48 ، ومالك في حسن الخلق حديث 15 ، وأحمد في المسند 2 / 287 ، 342 ، 465 ، 470 ، 482 ، 492 ، 517 ، 539 .