الأقل كانت بين الأكثر ألزم لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين ، قرأ الجمهور على التثنية ، قال أبو علي الفارسي في توجيهها : أراد بالأخوين الطائفتين ، لأن لفظ التثنية قد يرد ويراد به الكثرة ، وقال أبو عبيدة : أي أصلحوا بين كل أخوين ، وقرىء إخوانكم بالجمع وقرىء أخوتكم بالفوقية على الجمع أيضا .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في كل أموركم
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
بسبب التقوى ، والترجي باعتبار المخاطبين أي : راجين أن يرحموا ، أو لعل من اللّه في هذا المقام إطماع من الكريم إذ لإطماع فعل ما يطمع فيه لا محالة وفي هذه الآية دليل على قتال الفئة الباغية إذا تقرر بغيها على الامام أو على أحد من المسلمين ، وعلى فساد قول من قال بعدم الجواز مستدلا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « قتال المسلم كفر » « 1 » فإن المراد بهذا الحديث وما ورد في معناه قتال المسلم الذي لم يبغ ، قال ابن جرير ، لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين الهرب منه ولزوم المنازل ، لما أقيم حق ولا أبطل باطل ، ولوجد أهل النفاق والفجور سببا إلى استحلال كل ما حرم اللّه من أموال المسلمين ، وسبي نسائهم ، وسفك دمائهم ، بأن يتحزبوا عليهم ، ويكف المسلمون أيديهم عنهم وذلك مخالف لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « خذوا على أيدي سفهائكم » .
قال ابن العربي : هذه الآية أصل في قتال المسلمين وعمدة في حرب المتأولين ، وعليها عول الصحابة ، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة ، وإياها عنى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
« تقتل عمار الفئة الباغية » « 2 » وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في شأن الخوارج « يخرجون على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق » « 3 » والآية تدل أيضا على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنه سماهم مؤمنين مع وجود البغي .
وعن علي وقد سئل عن أهل الجمل ، وصفين أمشركون ؟ قال : لا ، إنهم من الشرك فروا ، فقيل : أمنافقون هم ؟ قال : لا ، إن المنافقين لا يذكرون اللّه إلا قليلا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 36 ، والفتن باب 8 ، والأدب ، باب 44 ، ومسلم في الإيمان حديث 116 ، والترمذي في البر باب 52 ، والإيمان باب 15 ، والنسائي في التحريم باب 27 ، وابن ماجة في المقدمة باب 7 ، 9 ، والفتن باب 4 ، وأحمد في المسند 1 / 385 ، 411 ، 433 ، 439 ، 454 .
( 2 ) يروى الحديث بلفظ « ويح عمار تقتله الفئة الباغية » أخرجه البخاري في الصلاة باب 63 ، ومسلم في الفتن حديث 70 ، 72 ، 73 ، والترمذي في المناقب باب 34 ، وأحمد في المسند 2 / 161 ، 164 ، 206 ، 3 / 5 ، 22 ، 28 ، 91 ، 4 / 197 ، 199 ، 5 / 215 ، 306 ، 307 ، 6 / 289 ، 300 ، 311 ، 315 .
( 3 ) أخرجه البخاري في المناقب باب 25 ، والأدب باب 95 ، والمرتدين باب 7 ، ومسلم في الزكاة حديث 148 ، 149 ، 153 ، وأحمد في المسند 3 / 5 ، 65 ، 82 .