تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
أي عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد والبعث وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يقل فأصم آذانهم ، كما قال :
وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
ولم يقل وأعماهم لأنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السماع ، فلم يتعرض لها ، والأعين يلزم من ذهابها ذهاب الإبصار .
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
أصل التدبر التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب وجمع الهم ، وقت تلاوته ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف ، وخلوص النية ، قاله الخازن ، والاستفهام للإنكار ، والمعنى أفلا يتفهمونه فيعلمون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة ؟ والحجج الظاهرة ؟ والبراهين القاطعة الباهرة ؟ التي تكفي من له فهم وعقل ، وتزجره عن الكفر باللّه والاشراك به والعمل بمعاصيه ؟ وقيل : المراد به التأسي ، وقيل : هذه الآية محققة للآية المتقدمة ، ومهيجة لهم على ترك ما هم فيه من الكفر ، الذي استحقوا بسببه اللعنة ، أو كالتبكيت لهم على إصرارهم على الكفر .
أَمْ
هي المنقطعة بمعنى بل ، والهمزة التي للانتقال من توبيخ إلى توبيخ أي بل أ
عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
فهم لا يفهمون ولا يعقلون قال مقاتل : يعني الطبع على القلوب ، والتنكير إما لتهويل حالها أو تفظيع شأنها . كأنه قيل على قلوب منكرة لا يعرف حالها . وإما لأن المراد بها قلوب بعضهم وهم المنافقون والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الحق ، وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب ، أو أنها أقفال مخصوصة بها . مناسبة لها . ومعنى الآية أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان ، ولا يخرج منها الكفر والشرك ، لأن اللّه سبحانه قد طبع عليها قرىء أقفالها بالجمع ، وإقفالها بكسر الهمزة على أنه مصدر ، كالاقبال ، والآية بعمومها تشمل كل من لا يتدبر القرآن ، ولا يتأسى به ، ويدخل فيه من نزلت فيه دخولا أوليا ، وأما المقلدة التاركة للتدبر في كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فهؤلاء هم الذين على قلوبهم أقفالها .
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ
أي رجعوا كفارا كما كانوا ، قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ما عرفوا نعته عندهم وبه قال ابن جريج وقال ابن عباس : هم أهل النفاق وقال الضحاك والسدي : هم المنافقون قعدوا عن القتال وهذا أولى لأن السياق في المنافقين .
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى
بما جاءهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المعجزات الظاهرة والآيات القاهرة والدلائل الواضحة ، والبراهين الباهرة
الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ
أي زين لهم خطاياهم ، وسهل لهم الوقوع فيها ، واقتراف الكبائر ، والجملة خبر إن .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 332 | صديق الحسيني القنوجي البخاري