سورة محكمة طاعة ، أي ذات طاعة أو مطاعة ، ذكره مكي وأبو البقاء ، وفيه بعد لكثرة الفواصل ، وقيل إن
لَهُمْ
خبر مقدم ، وطاعة مبتدأ مؤخر ، والأول أولى .
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ
عزم الأمر ، جد الأمر ، أي جد القتال ووجب وفرض ، وأسند الأمر إلى العزم - وهو لأصحابه - مجازا ، وجواب إذا قيل هو قوله الآتي :
فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ،
وقيل : محذوف تقديره كرهوه ، قال المفسرون : معناه إذا جد الأمر ولزم فرض القتال ، خالفوا وتخلفوا ، فلو صدقوا اللّه في إظهار الإيمان والطاعة
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
من المعصية والمخالفة .
فَهَلْ عَسَيْتُمْ
يقال عسيت أن أفعل كذا ، وعسيت بالفتح والكسر لغتان ، ذكره الجوهري وهما سبعيتان ، وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع أي فهل يتوقع منكم
إِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أي أعرضتم عن الايمان الذي تلبستم به ظاهرا .
أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
بأنواع الفساد ، قال الكلبي : فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا فيها بالظلم ، وقال كعب : أن يقتل بعضكم بعضا وقال قتادة : إن توليتم عن طاعة كتاب اللّه عز وجل أن تفسدوا فيها بسفك الدماء وقال ابن جريج : إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي ، وقبل أعرضتم عن القتال وفارقتم أحكامه ، فتعودوا إلى جاهليتكم ، أو توليتم الحكم فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض ، بأخذ الرشا ، قرأ الجمهور : توليتم مبنيا للفاعل ، وقرىء مبنيا للمفعول فهل عسيتم إن ولي عليكم ولاة جائرون أن يخرجوا عليكم في الفتنة وتحاربوهم .
وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
بالبغي والظلم والقتل ، قرأ الجمهور تقطعوا بالتشديد على التكثير ، وقرىء بالتخفيف من القطع .
« عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال : مه ؟ قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال : نعم أما ترضين أن أصل من وصلك ؟ وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى قال : فذلك لك ، ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : اقرأوا إن شئتم
فَهَلْ عَسَيْتُمْ
الآية » « 1 » أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ، والأحاديث في صلة الرحم كثيرة .
أُولئِكَ
المفسدون يدل عليه ما تقدم وفي الإشارة التفات للايذان بأن ذكر جناياتهم أوجب اسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم
الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
أي أبعدهم من رحمته ، وطردهم عنها ،
فَأَصَمَّهُمْ
عن استماع الحق
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 47 ، باب 1 ، والأدب باب 13 ، والتوحيد باب 35 ، ومسلم في البر حديث 16 ، وأحمد في المسند 2 / 330 .