تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً
الحميم الماء الحار الشديد الحرارة والغليان ، فإذا شربوه قطع أمعاءهم وهو معنى قوله :
فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم لفرط حرارته ، والأمعاء جمع معي بالقصر ، وألفه مبدل عن ياء لقولهم معيان ، وهو ما في البطون من الحوايا
وَمِنْهُمْ
أي من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام
مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
وهم المنافقون ، أفرد الضمير باعتبار لفظة
مَنْ
وجمع في قوله :
حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ
باعتبار معناها ، والمعنى أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومواطن خطبه التي يمليها على المسلمين يوم الجمعة ، وحينئذ تكون هذه الآية مدنية ، بل وكذا ما بعدها من الآيات الآتية فتكون مستثناة من القول بأن السورة مكية ، والمعنى : حتى إذا خرجوا من عنده .
قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وهم علماء الصحابة ، وقيل : عبد اللّه بن عباس وقيل عبد اللّه بن مسعود ، وقيل : أبو الدرداء والأول أولى ، أي سألوا أهل العلم فقالوا لهم على طريقة الاستهزاء :
ما ذا
أي أيّ شيء
قالَ
أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ،
آنِفاً
بالمد والقصر أي الساعة ، وبها فسره الزمخشري وقال : أنه ظرف حالي كالآن ، وقال ابن عطية والمفسرون : معناه الساعة الماضية القريبة منا ، وهذا تفسير بالمعنى ، والمعنى أنا لم نلتفت إلى قوله ولم نرجع إليه ، ومنه أمر أنف أي مستأنف ، وروضة أنف ، أي لم يرعها أحد ، وانتصابه على الظرفية أي وقتا مؤتنفا أو حال من الضمير في قال ، قال الزجاج : هو من استأنفت الشيء إذا ابتدأته . وأصله مأخوذ من أنف الشيء لما تقدم منه مستعار من الجارحة قال ابن عباس : كنت فيمن يسأل ، وعنه قال : أنا منهم ، وفي هذا منقبة لابن عباس جليلة لأنه كان إذ ذاك صبيا فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، مات وهو في سن البلوغ ، فسؤال الناس له عن معاني القرآن في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ووصف اللّه سبحانه للمسؤولين بأنهم الذين أوتوا العلم وهو منهم من أعظم الأدلة على سعة علمه ، ومزيد فقهه في كتاب اللّه وسنة رسوله ، مع كون أترابه وأهل سنة إذ ذاك يلعبون مع الصبيان . وعن عكرمة قال : « كانوا يدخلون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس : ماذا قال آنفا فيقول كذا وكذا وكان ابن عباس أصغر القوم فأنزل اللّه الآية » . فكان ابن عباس من الذين أوتوا العلم ، وعن ابن بريدة قال : هو ابن مسعود ، وعن ابن عباس قال : هو ابن مسعود والإشارة بقوله :
أُولئِكَ
إلى المذكورين من المنافقين ، وهو مبتدأ وخبره
الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
أي بالكفر فلم يؤمنوا ، ولا توجهت قلوبهم إلى شيء من الخير .
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
في الكفر والعناد ، ثم ذكر حال أضدادهم فقال :
وَالَّذِينَ
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 326 | صديق الحسيني القنوجي البخاري