أحدها : أنه مبتدأ وخبره مقدر ، فقدره النضر بن شميل : ما تسمعون ، وقوله :
فِيها أَنْهارٌ
مفسر له ، وقدره سيبويه : فيما يتلى عليكم مثل الجنة ، والجملة بعدها أيضا مفسرة للمثل .
الثاني : أن مثل زائدة تقديره الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار .
الثالث : أن مثل الجنة مبتدأ ، والخبر قوله
فِيها أَنْهارٌ ،
وفيه نظر .
الرابع : أن مثل الجنة مبتدأ خبره كمن هو خالد في النار فقدره ابن عطية أمثل أهل الجنة ؟ كمن هو خالد ، فقدر حرف الانكار ومضافا ليصح ، وقدره الزمخشري :
كمثل جزاء من هو خالد والجملة من قوله :
فِيها أَنْهارٌ
على هذا فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : هي حال من الجنة ، أي مستقرة فيها أنهار .
الثاني : أنها خبر لمبتدأ مضمر ، أي هي فيها أنهار كأن قائلا قال : ما مثلها فقيل : فيها أنهار .
الثالث : أن يكون تكريرا للصلة لأنها في حكمها ألا ترى أنه يصح قولك : التي فيها أنهار وإنما عرّي من حرف الانكار وحذف ما حذف استغناء ، يجري مثله تصويرا لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة ، والتابع للهوى بمكابرة من سوى بين الجنة والنار ، أفاده السمين .
مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
بالمد والقصر سبعيتان ولغتان ، وقال الأخفش : إن الممدود يراد به الاستقبال ، والمقصور يراد به الحال ، يقال : أسن الماء يأسن أسونا إذا تغيرت رائحته ، ومثله الآجن وزنا ومعنى ، قال ابن عباس : غير متغير ، يعني بخلاف ماء الدنيا فيتغير بعارض .
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
أي لم يحمض ، كما تتغير ألبان الدنيا ، لأنها لم تخرج من ضروع الإبل والغنم والبقر فلا يعود حامضا ولا قارصا ولا ما يكره من الطعوم
وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
أي : لذيذة لهم ، طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب ، يقال : شراب لذ ولذيذ ، وفيه لذة بمعنى ، ومثل هذه الآية قوله :
بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
[ الصافات : 46 ] ، والمعنى ليس فيها حموضة ولا عفوصة ولا مرارة ولا غضاضة ولم تدنسها الأرجل بالدوس ، ولا الأيدي بالعصر ، وليس في شربها ذهاب عقل ولا صداع ولا خمار ولا آفة من آفات الخمر ، بل هي لمجرد الالتذاذ وتفريح الطبع فقط ، تعويضا بخمور الدنيا كقوله تعالى :
لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ
[ الصافات : 47 ] .
وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
مما يخالطه من الشمع والقذاء والعكر والكدر نقلوا في العسل التذكير والتأنيث ، وجاء القرآن على التذكير ، وفي المصباح يذكر ويؤنث وهو