تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
باطلة من الأصل ، لأن عمل الكافر لا يقبل قبل إسلامه ، ثم خوف سبحانه الكفار وأرشدهم إلى الاعتبار بحال من قبلهم فقال :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
أي في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : آخر أمر الكافرين قبلهم ، فإن آثار العذاب في ديارهم باقية ، ثم بين سبحانه ما صنع بمن قبلهم فقال :
دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
التدمير الإهلاك ، أي : أهلكهم واستأصلهم يقال دمره ودمر عليه بمعنى ، والثاني أبلغ لما فيه من العموم ، أي أهلك ما يختص به من المال والنفس ونحوها والاتيان بعلى لتضمينه معنى أطبق عليهم أي أوقعه عليهم محيطا بهم ، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، ثم توعد مشركي مكة فقال :
وَلِلْكافِرِينَ
أي السائرين بسيرة من قبلهم من الكفار
أَمْثالُها
قال ابن عباس : يعني لكفار قومك يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، مثل ما دمرت به القرى فأهلكوا بالسيف ، قال الزجاج وابن جرير : الضمير راجع إلى عاقبة الذين من قبلهم من الأمم الكافرة ، وإنما جمع لأن العواقب متعددة بحسب تعدد الأمم المعذبة ، وقبل أمثال العقوبة أو الهلكة أو التدميرة والأول أولى ؛ لرجوع الضمير إلى ما هو مذكور قبله مع صحة معناه .
ذلِكَ
أي ما ذكر من أن للكافرين أمثالها
بِأَنَّ
أي بسبب أن
اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا
أي ناصرهم ووليهم
وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ
أي لا ناصر يدفع عنهم كما يؤخذ من مقابله ، وهذا لا يخالف قوله :
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ،
فإن المولى فيه بمعنى المالك لا بمعنى الناصر ، قال قتادة : نزلت يوم أحد ، وقرأ ابن مسعود « ولي الذين » .
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
قد تقدم تفسير الآية في غير موضع ، وتقدم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات ، والجملة مسوقة لبيان ولاية اللّه للمؤمنين وثمرتها الأخروية
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ
بمتاع الدنيا أياما قلائل ، وينتفعون به غير متفكرين في العاقبة .
وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ
في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح ، والمعنى كأنهم أنعام ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم ، ساهون عن العاقبة لا هون بما هم فيه ، لا يلتفتون إلى الآخرة
وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ
أي مقام يقيمون به ، ومنزل ينزلونه ويستقرون فيه ، ومصير يصيرون إليه ، والجملة في محل نصب على الحال أو مستأنفة . ثم خوف اللّه سبحانه الكفار بأنه قد أهلك من هو أشد منهم فقال :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ
قد قدمنا أن كأين مركبة من الكاف وأي ، وأنها بمعنى كم
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 322 | صديق الحسيني القنوجي البخاري