تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ
يعني أن اللّه قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وإهلاكهم ، وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب ، كالخسف أو الرجفة أو غير ذلك بغير قتال
وَلكِنْ
أمركم بحربهم
لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ
أي ليختبر فيعلم المجاهدين في سبيله ، والصابرين على ابتلائه ويجزل ثوابهم ، ويعذب الكفار بأيديهم
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ
قرأ الجمهور : قاتلوا مبنيا للفاعل ، وقرىء قتلوا مخففا ومشددا مبنيا للمفعول ، وقرىء قتلوا على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف ، والمعنى على الأولى والرابعة أن المجاهدين في سبيل اللّه ثوابهم غير ضائع وعلى الثانية والثالثة أن المقتولين في سبيل اللّه كذلك لا يضيع اللّه سبحانه أجرهم قال قتادة : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أحد ، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل ، ثم ذكر سبحانه ما لهم من جزيل الثواب عنده فقال :
سَيَهْدِيهِمْ
اللّه سبحانه إلى الرشد في الدنيا ، وهو العمل الصالح والإخلاص فيه ، ويعطيهم الثواب في الآخرة قال أبو العالية : قد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان ، والطرق المفضية إليها ، وقال ابن زياد : يهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر
وَيُصْلِحُ بالَهُمْ
أي حالهم وشأنهم وأمرهم ، وقيل : يرضي خصماءهم ويقبل أعمالهم .
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ
الجملة مستأنفة أو حالية بتقدير قد أو بدون تقديرها ، قاله السمين ، أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال ، وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تفرقوا إلى منازلهم ، قال الواحدي : هو قول عامة المفسرين ، وقال الحسن وصف اللّه لهم الجنة في الدنيا ، فلما دخلوها عرفوها بصفتها ، وقيل : فيه حذف أي عرف طرقها ومساكنها وبيوتها ، وقيل هذا التعريف بدليل يدلهم عليها ، وهو الملك الموكل بالعبد يسير بين يديه ، حتى يدخله منزله ، كذا قال مقاتل . ويرده حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا » « 1 » . رواه البخاري وهذا يدل على صحة القول الأول ، وقيل :
عَرَّفَها لَهُمْ
أي طيبها بأنواع الملاذ مأخوذ من العرّف وهو الرائحة أو المعنى : حددها لهم بحيث يكون لكل واحد جنة مفرزة وقيل : عرف أهل السماء أنها لهم ، وقيل :
عَرَّفَها لَهُمْ
إظهارا لكرامتهم فيها ، وقيل عرف المطيعين أعمالهم ، والأول أولى ، ثم وعدهم سبحانه على نصر دينه بقوله :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في المظالم باب 1 ، والرقاق باب 48 ، وأحمد في المسند 3 / 13 ، 63 ، 74 .